عباس النوري التسجيل — مجانًا

حين لا تكون الحرب هي الحرب وحدها

بقلم عباس النوري

أتابع منذ مدة ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، وأحاول أن أبعد عن عيني كل ما يمكن أن يدفعني إلى اتخاذ موقف قبل أن أفهم الصورة. وهذا ليس سهلاً، فالأخبار تأتي إلينا محملة بالغضب والخوف والانتصارات المعلنة، وكل طرف يملك منابر كثيرة يستطيع من خلالها أن يقول لنا ماذا حدث، ومن انتصر، ومن انهار، ومن أصبح على وشك رفع الراية البيضاء.
لكنني تعلمت، وربما دفعتني سنوات طويلة من الكتابة والبحث إلى ذلك، أن الخبر الذي يصلني جاهزاً لا ينبغي أن يصل معه إدراكي جاهزاً.
وهذه واحدة من المسائل التي حاولت أن أقترب منها في نظرية عصر التزييف؛ فالتزييف ليس بالضرورة أن يخبرك أحدهم بكذبة كاملة، فقد تكون الحقيقة موجودة في الكلام، ولكنها توضع بطريقة تجعلك ترى جانباً واحداً منها، ثم تُترك لك مهمة تصديق الصورة كلها.
ترامب يقول اليوم إن إيران أصبحت في وضع بالغ الصعوبة، وإن الولايات المتحدة تتجه إلى ما سماه حرباً اقتصادية وعزلاً على نطاق غير مسبوق، ويحذر الدول والمؤسسات التي يمكن أن تمنح إيران منفذاً اقتصادياً من عواقب كبيرة.
هل تستطيع أمريكا أن تفعل ذلك؟
بالتأكيد تستطيع أن تؤلم الاقتصاد الإيراني أكثر مما هو عليه الآن، وأن تضيق عليه منافذ النفط والتحويلات والمصارف والشحن، فالولايات المتحدة لا تزال تملك أدوات مالية لا تملكها معظم دول العالم، وقد أصبحت العقوبات نفسها جزءاً من أدوات القوة في السياسة الدولية، حتى إن صندوق النقد الدولي يرى أن الاقتصاد والسياسة والأمن القومي لم تعد مجالات يمكن فصلها عن بعضها كما كان الحال في السابق.

لكن السؤال الذي يشغلني ليس: هل تستطيع أمريكا أن تؤلم إيران؟
هذا سؤال سهل.
السؤال الأصعب هو: هل تستطيع أن تجعل إيران تستسلم؟
وهنا يجب أن نتذكر أن إيران ليست دولة اكتشفت العقوبات بالأمس.
لقد عاشت أكثر من أربعة عقود تحت ضغوط اقتصادية متفاوتة، وكان لهذه الضغوط أثر حقيقي على حياة الإيرانيين واقتصادهم، ولا أعتقد أن من الإنصاف أن نتحدث عن الصمود الإيراني وكأنه يعني أن الناس لم يدفعوا ثمناً. البنك الدولي يشير إلى أن التضخم كان مشكلة مزمنة في إيران على مدى عقود، وأن السنوات الأخيرة شهدت مستويات مرتفعة جداً أثرت بصورة واضحة في دخول الأسر وحياتها

لكن هناك شيء آخر لا يمكن تجاهله أيضاً.
كل هذا الألم لم يُسقط الدولة الإيرانية.
ولم يجعلها تتخلى عن كل خياراتها.
ولم يحولها إلى دولة تنتظر فقط أن يأتيها من يقرر عنها.
ثم جاءت الحرب الأخيرة، وما حملته من خسائر في القيادات والمنشآت والبنى التحتية، ومن تدهور إضافي في الوضع الاقتصادي، ومع ذلك لم نر الدولة الإيرانية ترفع الراية البيضاء. بل بقيت تقاتل، وبقيت قادرة على الرد، وبقي المجتمع الإيراني، رغم كل ما أصابه من خوف وألم، متماسكاً بدرجة جعلت الحسابات الأمريكية أكثر تعقيداً مما قد توحي به التصريحات.
والتقارير نفسها تتحدث عن هذا التناقض؛ إيران تحاول أن تظهر قدرتها على الصمود، وفي الوقت نفسه تخشى قيادتها من أن يؤدي المزيد من الضغط الاقتصادي إلى زيادة المعاناة وإعادة إشعال الاضطرابات الداخلية.
إذن أين الحقيقة؟
الحقيقة أن إيران متضررة. والحقيقة أيضاً أنها لم تنهَر.
والحقيقتان يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه.
وهنا بالضبط أجد معنى مهماً من معاني عصر التزييف.
فحين يقول لك طرف: لقد دمرنا عدونا، لا تسارع إلى تكذيبه، ولكن لا تسارع إلى تصديقه أيضاً. انظر إلى ما بقي من قدرته.
وحين يقول لك الطرف الآخر: لقد انتصرنا وصمدنا، لا تسارع إلى تكذيبه أيضاً، ولكن انظر إلى ما خسره شعبه واقتصاده.
ليس كل صمود انتصاراً، وليس كل خسارة هزيمة.
والحرب ليست نشرة أخبار تنتهي عند إعلان المنتصر.
ما يقلقني أكثر هو أن الولايات المتحدة نفسها تبدو وكأنها لا تريد أن تتراجع.
وأستطيع أن أفهم ذلك من زاوية القوة العظمى وموقعها في العالم. فالدول الكبرى لا تحسب المعركة فقط بعدد الطائرات والصواريخ، وإنما تحسب أيضاً ماذا سيقول العالم عنها إذا اضطرت إلى التراجع أمام خصم أقل منها قوة.
أمريكا لا تريد أن ترفع الراية البيضاء، وربما لا تستطيع سياسياً أن تفعل ذلك بسهولة.
لكن إيران أيضاً لا تريد أن ترفع الراية البيضاء، وربما لا تستطيع أن تفعل ذلك من دون أن تهدم جزءاً من الصورة التي بنتها طوال عقود عن قدرتها على الصمود في وجه الضغط الخارجي.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد حرب بين جيشين.
إنها حرب إرادات. وحرب صور. وحرب روايات.

كل طرف يريد أن يقنع العالم بأنه أكثر قدرة على الاحتمال.
ولكن في نهاية الأمر، هناك شعب يدفع، وهناك اقتصاد يدفع، وهناك دول مجاورة قد تجد نفسها تدفع من دون أن تكون قد اختارت الحرب.
وهنا أتوقف عند العراق.
أنا لا أريد أن أكون في موقع من يطلب من العراقي أن يحب أمريكا أو يكره إيران، ولا أريد أن أطلب منه العكس.
هذا ليس موقفي.
موقفي أبسط من ذلك وربما أصعب.
أنا أريد أن يبقى العراق بعيداً عن حرب لا قدرة له عليها.
فالعراق ليس الولايات المتحدة، وإمكانياته الاقتصادية والسياسية والعسكرية ليست إمكانيات إيران، وموقعه الجغرافي يجعله أكثر عرضة لأن يصبح ممراً أو ساحة أو نقطة ضغط إذا اتسعت المواجهة.
وما يحدث في مضيق هرمز يكفي وحده لكي نفكر قليلاً قبل أن نرفع أصواتنا في هذا الاتجاه أو ذاك. حركة السفن تراجعت بصورة حادة، وأسواق النفط والشحن والتأمين تعيش حالة اضطراب، وبدأت آثار الحرب تصل إلى الاقتصاد العالمي وأسعار الوقود والتضخم.

فكيف سيكون حال العراق إذا امتدت الحرب؟
العراق يعيش على النفط. والنفط يحتاج إلى طرق آمنة
والاقتصاد يحتاج إلى مصارف. والمواطن يحتاج إلى راتبه.
والأسواق تحتاج إلى الاستقرار. وهذه الأشياء لا تحميها الشعارات.
أنا أخشى على العراق من لحظة يصبح فيها الحماس أقوى من الحساب.
فالذي يدعو إلى الحرب من خلف شاشة، لن يكون بالضرورة هو الذي يدفع ثمنها إذا تعطلت التجارة أو ارتفعت الأسعار أو اهتزت المصارف أو توقفت الاستثمارات أو أصبحت المدن العراقية هدفاً لردود متبادلة.
ولهذا فإنني أرى أن الحكمة ليست في أن نختار أقوى طرف.

الحكمة أن نختار العراق.
وقد يقول قائل: ولكن هل تستطيع أمريكا فعلاً أن تضغط إلى هذا الحد؟
أقول: نعم، تستطيع. لكنني لا أقول إنها تستطيع كل شيء
وهناك فرق كبير.
فحتى القوة الأمريكية لها حدود، والحرب الطويلة لها أثمان، واضطراب الطاقة لا يذهب كله إلى الطرف الآخر. التقارير الاقتصادية الأخيرة تشير إلى أن أزمة الحرب بدأت تضغط على الولايات المتحدة نفسها من خلال أسعار الوقود والتضخم، وأن استمرار اضطراب هرمز أصبح مشكلة للاقتصاد العالمي وليس لإيران وحدها.

وهنا أعود مرة أخرى إلى السؤال الذي أراه أهم من كل التصريحات: إذا كان كل طرف يستطيع أن يؤذي الآخر، فمن يستطيع أن يتحمل الألم أكثر؟
هذا هو السؤال
الذي قد يحسم المرحلة المقبلة.
وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي الذي يدور خلف الكلمات العالية.
أمريكا تراهن على أن الاقتصاد الإيراني لن يحتمل المزيد.
وإيران تراهن على أن أمريكا والعالم لن يحتملوا استمرار الحرب إلى ما لا نهاية.
ولا أحد يستطيع أن يضمن لمن ستكون الغلبة.
لكنني أعرف أن هناك طرفاً ثالثاً لا يملك رفاهية هذا الرهان.
إنه العراق.
العراق لا يحتاج إلى بطولة مستعارة.
يحتاج إلى سياسة تعرف أين تقف.
لا أقول إن عليه أن يقطع علاقته بإيران، ولا أن يتحول إلى خصم لأمريكا. بالعكس، العراق بحاجة إلى أن يتحدث مع الجميع، لأن الدولة التي تغلق أبوابها أمام طرف من الأطراف تفقد جزءاً من قدرتها على حماية مصالحها.
ولكن الحديث مع الجميع لا يعني التبعية لأحد.
والحياد ليس خيانة.
وأحياناً يكون عدم الدخول في الحرب هو أكثر المواقف شجاعة.
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً من الحروب التي لم تترك لنا في النهاية سوى المقابر والخراب والذكريات الثقيلة.
فهل نحتاج إلى تجربة أخرى حتى نتعلم؟
أنا لا أعتقد ذلك.
ما يخيفني في هذه المرحلة ليس فقط ما تفعله الصواريخ.
إنما ما تفعله الروايات.
الرواية الأمريكية قد تريد أن تقول للعالم إن إيران أصبحت على حافة الانهيار.
والرواية الإيرانية قد تريد أن تقول للعالم إن أمريكا عجزت عن إخضاعها.
والروايتان تتحركان في فضاء إعلامي هائل، وكل طرف يعرف أن صورة القوة جزء من القوة نفسها.
وهنا يأتي دور المواطن.
ليس مطلوباً منه أن يصبح خبيراً في الاستراتيجية الدولية، ولكنه مطالب بشيء أبسط: ألا يسمح لأحد بأن يفكر بدلاً عنه.
إذا قالت أمريكا إن إيران انهارت، فاسأل عن الأدلة.
وإذا قالت إيران إنها انتصرت، فاسأل عن الثمن.
إذا قال أحدهم إن الحرب ستنتهي سريعاً، فاسأل ماذا لو لم تنته.
وإذا قال آخر إن العراق قادر على تحملها، فاسأل: من أين؟
هذا السؤال الأخير بالذات لا أريد أن يغيب.
من أين سيدفع العراق ثمن الحرب؟
من النفط؟
من الرواتب؟
من الاستثمار؟
من احتياطاته؟
من حياة أبنائه؟
من مستقبله؟
لقد كتبت في نظرية عصر التزييف عن خطورة أن يتحول الإنسان من قارئ للواقع إلى متلقٍ لرواية جاهزة عن الواقع.
وأجد نفسي اليوم أمام مثال كبير على ذلك.
نحن لا نشاهد الحرب فقط، بل نشاهد الحرب كما يريد كل طرف أن نراها.
وهذا فرق كبير.
قد تكون الصورة حقيقية، ولكن اختيار الصورة ليس بريئاً دائماً.
وقد تكون الأرقام صحيحة، ولكن طريقة وضعها بجانب بعضها قد تصنع استنتاجاً غير صحيح.
وقد يكون التصريح صادقاً من وجهة نظر قائله، لكنه لا يمثل الحقيقة كلها.
ولهذا فإن الوعي في زمن الحرب لا يعني أن تعرف أكثر.
أحياناً يعني أن تتسرع أقل.
أنا لا أعرف كيف ستنتهي المواجهة الأمريكية الإيرانية.
ولا أعتقد أن من الحكمة أن يدعي أحد معرفة ذلك الآن.
قد تتقدم الدبلوماسية في لحظة لم يتوقعها أحد.
وقد تستمر الحرب.
وقد تتسع.
وقد يجد الطرفان في النهاية أن ما لم يستطيعا الحصول عليه بالقوة يمكن الحصول عليه على طاولة المفاوضات.
لكنني أعرف شيئاً واحداً.
أمريكا لن ترفع الراية البيضاء بسهولة.
وإيران لن ترفعها بسهولة.
والشعبان الأمريكي والإيراني هما أيضاً جزء من حسابات القيادتين، وكل قيادة ستفكر في قدرتها على تفسير الخسائر أمام شعبها.
أما العراق، فلا ينبغي أن ينتظر من أحد أن يحميه إذا قرر هو أن يدخل النار.
هذه مسؤوليتنا نحن.
مسؤولية الدولة، ومسؤولية القوى السياسية، ومسؤولية النخب، ومسؤولية المواطن أيضاً.
أن نقول في الوقت المناسب:
لسنا مع أمريكا ضد إيران.
ولسنا مع إيران ضد أمريكا.
نحن مع العراق عندما تكون الحرب أكبر من قدرته.
وقد يختلف معي كثيرون في ذلك، وهذا حقهم.
لكنني أعتقد أن الاختلاف في الموقف أرحم من أن نتفق جميعاً بعد فوات الأوان على أن الحرب كانت خطأ.
فالخطأ السياسي يمكن تصحيحه أحياناً.
أما الدم، فلا يعود.
والاقتصاد الذي ينهار لا تعيده الخطب.
والوطن الذي يتحول إلى ساحة لا تعيده بسهولة إلى ما كان عليه.
لهذا أكتب اليوم، لا لأرفع راية مع طرف، وإنما لأحذر من أن نسمح لأحد بأن يرفع راية الحرب فوق العراق.
وفي زمن عصر التزييف، ربما تكون أولى خطوات الوعي أن نسأل قبل أن نهتف، وأن نفكر قبل أن ننحاز، وأن نعرف أن من يملك القدرة على صناعة الرواية قد يملك، لبعض الوقت، القدرة على صناعة إدراكنا أيضاً.
لكن العراق لا ينبغي أن يكون رواية في كتاب الآخرين.
العراق وطن، والإنسان العراقي ليس وقوداً لإثبات أن هذه القوة أقوى من تلك.
عباس النوري