نحو إطار تفسيري لفهم تزييف الوعي والإدراك الجمعي
نظرية عصر التزييف
نحو إطار تفسيري لفهم تزييف الوعي والإدراك الجمعي
ملخص
تطرح هذه المقالة «نظرية عصر التزييف» بوصفها محاولة لبناء إطار تفسيري لدراسة ظاهرة تتجاوز مفهوم الكذب أو الخبر الزائف إلى عمليات أكثر تعقيداً تتداخل فيها السرديات والفاعلون والوسائل والبيئات والمتلقون، وصولاً إلى التأثير في الوعي والإدراك الجمعي. وتنطلق النظرية من أن التزييف لا يحدث بالضرورة من خلال معلومة كاذبة صريحة، بل قد ينتج عن الانتقاء، أو الحذف، أو إعادة ترتيب المعلومات، أو تغيير السياق، أو التكرار، أو توجيه التفسير.
وتقترح النظرية نموذجاً بنيوياً يربط بين الفاعل والسردية والوسيلة والبيئة والمتلقي والوعي والإدراك الجمعي، مع اعتبار إعادة إنتاج السرديات حلقة أساسية في استمرار الظاهرة. كما تطرح مجموعة من الفرضيات التي يمكن اختبارها في دراسات ميدانية لاحقة، وتحدد عدداً من المتغيرات التفسيرية المرتبطة بالفاعل والسردية والوسيلة والبيئة والمتلقي ومستوى الوعي.
ولا تقدم النظرية نفسها بوصفها تفسيراً نهائياً أو مغلقاً، وإنما بوصفها مشروعاً بحثياً مفتوحاً للنقد والاختبار والتطوير، مع اقتراح إطار إجرائي أولي يمكن أن يقود مستقبلاً إلى تطوير أدوات لقياس قابلية المجتمعات للتزييف ومستوى مناعتها الفكرية.
الكلمات المفتاحية: نظرية عصر التزييف، تزييف الوعي، الإدراك الجمعي، السرديات، التفكير النقدي، المناعة الفكرية.
مقدمة
لم يعد التزييف في العصر الحديث مقتصراً على اختلاق معلومة غير صحيحة أو نشر خبر كاذب. فقد أصبح الإنسان يتعامل مع بيئة معرفية شديدة التعقيد، تتداخل فيها وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية والخوارزميات والفاعلون السياسيون والاجتماعيون والاقتصاديون، إلى جانب الجمهور الذي لم يعد مجرد متلقٍ، وإنما أصبح في كثير من الحالات منتجاً للمحتوى ومعيداً لتداوله.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز السؤال التقليدي: كيف نعرف أن ما نراه عن الواقع يمثل الواقع فعلاً، وما الذي يحدث عندما تكون المعلومات صحيحة جزئياً، لكن ترتيبها أو سياقها أو طريقة تقديمها يقود إلى إدراك مختلف للواقع؟
تنطلق «نظرية عصر التزييف» من هذا السؤال.
وهي لا تستخدم مفهوم التزييف بوصفه مرادفاً للكذب، بل تنظر إليه بوصفه عملية أوسع يمكن أن تتضمن الكذب، لكنها قد تحدث أيضاً من خلال معلومة ناقصة، أو صورة منتقاة، أو سياق مبتور، أو تكرار غير متوازن، أو إخفاء عنصر ضروري لفهم الصورة.
ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن دائماً في السؤال: هل المعلومة صحيحة أم كاذبة؟ وإنما قد تكمن في سؤال آخر: ما الصورة التي تتكون لدى المتلقي نتيجة الطريقة التي جرى بها اختيار المعلومة وترتيبها وتقديمها؟
أولاً: من الكذب إلى التزييف
يمثل التمييز بين الكذب والتزييف نقطة تأسيسية في النظرية.
فالكذب يفترض عادةً قول شيء يعرف قائله أنه غير صحيح، بينما يمكن أن ينتج التزييف من مجموعة أوسع من العمليات.
قد تكون المعلومة صحيحة، لكن يتم اقتطاعها من سياقها.
وقد تكون الصورة حقيقية، لكن يتم استخدامها بطريقة تجعل المتلقي يستنتج منها شيئاً لم تكن تثبته في سياقها الأصلي.
وقد تكون الأرقام صحيحة، لكن اختيار بعضها وإخفاء بعضها الآخر يؤدي إلى تكوين صورة غير متوازنة.
وقد لا يكون هناك فاعل واحد خطط للعملية كاملة، وإنما تتفاعل مجموعة من الحوافز والوسائل والسلوكيات حتى تنتج في النهاية صورة مشوهة أو ناقصة عن الواقع.
ولهذا تقترح النظرية النظر إلى التزييف بوصفه عملية، وليس مجرد رسالة.
ثانياً: النموذج البنيوي للنظرية
تقوم النظرية على نموذج يربط بين مجموعة من العناصر الأساسية:
الفاعل ← السردية ← الوسيلة ← البيئة ← المتلقي ← الوعي والإدراك الجمعي ← إعادة إنتاج السردية
ولا تفترض النظرية أن هذه العملية خطية بصورة ميكانيكية، وإنما ترى أنها شبكة من العلاقات المتبادلة.
فالفاعل قد ينتج السردية، لكن السردية قد تتغير أثناء انتقالها عبر الوسائل.
والوسيلة لا تعمل بمعزل عن البيئة التي تستقبلها.
والمتلقي لا يستقبل السردية بصورة متطابقة، بل يفسرها وفق معرفته وخبرته وقيمه وانحيازاته.
ثم قد يتحول المتلقي نفسه إلى فاعل جديد يعيد إنتاج السردية، فتبدأ دورة جديدة.
ومن هنا تصبح إعادة الإنتاج أحد العناصر المهمة في فهم استمرار التزييف.
ثالثاً: الوعي والإدراك الجمعي
تضع النظرية الوعي والإدراك الجمعي في مركز البناء التفسيري.
فالهدف النهائي من عملية التأثير لا يتمثل دائماً في تغيير معلومة منفردة، وإنما قد يتمثل في تغيير الطريقة التي يفهم بها المجتمع الواقع.
وتفرق النظرية بين الوعي والإدراك مع التأكيد على ترابطهما.
فالوعي يمثل الإطار الأوسع للمعرفة والقيم والخبرة والقدرة على التحليل والمراجعة، بينما يمثل الإدراك الطريقة التي يفسر بها الإنسان المعلومات والوقائع ويمنحها معنى.
ومن هنا، يمكن أن تكون المشكلة أحياناً في كيفية إدراك الحقيقة أكثر منها في غياب الحقيقة نفسها.
وهذه النقطة تفتح مجالاً مهماً لدراسة العلاقة بين المعلومات والسرديات والإدراك، خصوصاً في البيئات التي تتعدد فيها مصادر المعرفة وتتسارع فيها عملية تداول المحتوى.
رابعاً: المتغيرات والفرضيات
لا تكتفي النظرية بوصف عناصر الظاهرة، وإنما تحاول تحديد المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في نتائجها.
ومن أبرزها:
خصائص الفاعل.
طبيعة السردية.
خصائص الوسيلة.
طبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية.
خصائص المتلقي.
مستوى التفكير النقدي.
مستوى الوعي والإدراك الجمعي.
مستوى المناعة الفكرية.
قابلية السردية لإعادة الإنتاج.
وتطرح النظرية مجموعة من الفرضيات القابلة للاختبار، من بينها أن ارتفاع مستوى الوعي والإدراك الجمعي يمكن أن يرتبط بانخفاض قابلية المجتمع لإعادة إنتاج السرديات غير الموضوعية، وأن خصائص البيئة والوسيلة والمتلقي يمكن أن تؤثر في مستوى انتشار السرديات وتأثيرها.
وهنا لا تقدم النظرية هذه الفرضيات بوصفها نتائج محسومة، وإنما بوصفها قضايا بحثية قابلة للاختبار.
وهذه نقطة أساسية في طبيعة المشروع؛ فالنظرية لا تطلب من الباحث أن يقبلها، وإنما تفتح المجال أمامه لاختبارها.
خامساً: من التفسير إلى الوقاية
لا تتوقف النظرية عند تفسير آليات التزييف، وإنما تقترح أن بناء الوعي والتفكير النقدي والمناعة الفكرية يمثل امتداداً طبيعياً للبناء النظري.
فالوقاية، وفق هذا التصور، لا تعني منع الأفكار أو تقييد الاختلاف، وإنما بناء الإنسان القادر على:
التحقق من المعلومات.
التمييز بين الحقيقة والتفسير.
مقاومة أثر التكرار.
مراجعة المصادر.
اكتشاف السياق المبتور.
إدراك أثر الانحيازات المعرفية.
مراجعة قناعاته عند ظهور أدلة جديدة.
وبذلك يصبح التفكير النقدي خط دفاع أول، بينما تمثل المناعة الفكرية قدرة أكثر استدامة على مقاومة عمليات التزييف.
سادساً: نحو اختبار النظرية
من أهم الأسئلة التي تواجه أي نظرية جديدة: كيف يمكن اختبارها؟
ولهذا تتجه الصياغة الأكاديمية للنظرية إلى الانتقال من المفاهيم العامة إلى المتغيرات والمؤشرات.
وتقترح الدراسة، بصورة أولية، أبعاداً يمكن تطويرها مستقبلاً إلى أداة قياس، منها:
القدرة على التحقق من المعلومات.
الاستقلال في التفكير.
مقاومة تأثير التكرار.
القدرة على الحوار.
التمييز بين الحقيقة والتأويل.
الوعي بتأثير الانتقاء المعرفي.
القدرة على مراجعة الموقف في ضوء الأدلة.
ولا تدعي النظرية أن هذه الأبعاد تمثل مقياساً علمياً مكتملاً في صورتها الحالية، وإنما تقدمها بوصفها تصوراً أولياً يحتاج إلى تطوير واختبار الصدق والثبات والتحليل الإحصائي.
وهنا يمكن أن يتحول المشروع مستقبلاً إلى برنامج بحثي تتعدد فيه الدراسات التطبيقية، بدلاً من أن تبقى النظرية مجرد بناء فكري مغلق.
سابعاً: حدود النظرية
لا تدعي «نظرية عصر التزييف» أنها تحل محل النظريات المتخصصة في الإعلام أو علم الاجتماع أو علم النفس أو العلوم السياسية.
كما أنها لا تدعي أن جميع عمليات التزييف تنتج عن فاعل واحد، ولا أن كل نتيجة مضللة تعني وجود مؤامرة أو قصد مسبق.
وتقر النظرية بأن بعض مفاهيمها تحتاج إلى المزيد من الضبط والاختبار، وأن قوتها العلمية ستتحدد بدرجة كبيرة بقدرة الباحثين الآخرين على اختبار فرضياتها، واكتشاف حدودها، وتعديل ما يحتاج إلى تعديل فيها.
ومن هنا، فإن النقد الأكاديمي ليس تهديداً للنظرية، وإنما يمثل جزءاً من مسار بنائها.
خاتمة
تحاول «نظرية عصر التزييف» الانتقال من التعامل مع التزييف بوصفه مجرد مشكلة في صحة المعلومات إلى دراسته بوصفه عملية متعددة العناصر يمكن أن تؤثر في الوعي والإدراك الجمعي.
وهي تقترح إطاراً يربط الفاعلين والسرديات والوسائل والبيئات والمتلقين، ثم يبحث في النتيجة التي تنشأ عن هذا التفاعل، وفي الطريقة التي يمكن بها للسرديات أن تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع.
ولا تكمن أهمية النظرية، في هذه المرحلة، في الادعاء بأنها قدمت إجابة نهائية، وإنما في محاولتها تحويل السؤال إلى بناء قابل للنقاش والاختبار.
فالنظرية التي لا يمكن اختبارها تبقى أقرب إلى التأمل الفكري، أما النظرية التي تطرح مفاهيم محددة، ومتغيرات، وعلاقات، وفرضيات، وتفتح المجال أمام الدراسات التطبيقية، فإنها تدخل مجالاً مختلفاً من التفكير العلمي.
ومن هنا، فإن «نظرية عصر التزييف» تقدم نفسها بوصفها مشروعاً بحثياً مفتوحاً، لا خاتمة للنقاش.
وربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه مفتوحاً أمام الباحثين هو:
إذا كان بالإمكان التأثير في الطريقة التي يدرك بها الإنسان الواقع، فكيف يمكن بناء مناعة معرفية تمكنه من اكتشاف هذا التأثير ومقاومته؟
هذا السؤال هو أحد المداخل التي يمكن أن تتوسع من خلالها النظرية في الدراسات المستقبلية.
نحو إطار تفسيري لفهم تزييف الوعي والإدراك الجمعي
ملخص
تطرح هذه المقالة «نظرية عصر التزييف» بوصفها محاولة لبناء إطار تفسيري لدراسة ظاهرة تتجاوز مفهوم الكذب أو الخبر الزائف إلى عمليات أكثر تعقيداً تتداخل فيها السرديات والفاعلون والوسائل والبيئات والمتلقون، وصولاً إلى التأثير في الوعي والإدراك الجمعي. وتنطلق النظرية من أن التزييف لا يحدث بالضرورة من خلال معلومة كاذبة صريحة، بل قد ينتج عن الانتقاء، أو الحذف، أو إعادة ترتيب المعلومات، أو تغيير السياق، أو التكرار، أو توجيه التفسير.
وتقترح النظرية نموذجاً بنيوياً يربط بين الفاعل والسردية والوسيلة والبيئة والمتلقي والوعي والإدراك الجمعي، مع اعتبار إعادة إنتاج السرديات حلقة أساسية في استمرار الظاهرة. كما تطرح مجموعة من الفرضيات التي يمكن اختبارها في دراسات ميدانية لاحقة، وتحدد عدداً من المتغيرات التفسيرية المرتبطة بالفاعل والسردية والوسيلة والبيئة والمتلقي ومستوى الوعي.
ولا تقدم النظرية نفسها بوصفها تفسيراً نهائياً أو مغلقاً، وإنما بوصفها مشروعاً بحثياً مفتوحاً للنقد والاختبار والتطوير، مع اقتراح إطار إجرائي أولي يمكن أن يقود مستقبلاً إلى تطوير أدوات لقياس قابلية المجتمعات للتزييف ومستوى مناعتها الفكرية.
الكلمات المفتاحية: نظرية عصر التزييف، تزييف الوعي، الإدراك الجمعي، السرديات، التفكير النقدي، المناعة الفكرية.
مقدمة
لم يعد التزييف في العصر الحديث مقتصراً على اختلاق معلومة غير صحيحة أو نشر خبر كاذب. فقد أصبح الإنسان يتعامل مع بيئة معرفية شديدة التعقيد، تتداخل فيها وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية والخوارزميات والفاعلون السياسيون والاجتماعيون والاقتصاديون، إلى جانب الجمهور الذي لم يعد مجرد متلقٍ، وإنما أصبح في كثير من الحالات منتجاً للمحتوى ومعيداً لتداوله.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز السؤال التقليدي: كيف نعرف أن ما نراه عن الواقع يمثل الواقع فعلاً، وما الذي يحدث عندما تكون المعلومات صحيحة جزئياً، لكن ترتيبها أو سياقها أو طريقة تقديمها يقود إلى إدراك مختلف للواقع؟
تنطلق «نظرية عصر التزييف» من هذا السؤال.
وهي لا تستخدم مفهوم التزييف بوصفه مرادفاً للكذب، بل تنظر إليه بوصفه عملية أوسع يمكن أن تتضمن الكذب، لكنها قد تحدث أيضاً من خلال معلومة ناقصة، أو صورة منتقاة، أو سياق مبتور، أو تكرار غير متوازن، أو إخفاء عنصر ضروري لفهم الصورة.
ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن دائماً في السؤال: هل المعلومة صحيحة أم كاذبة؟ وإنما قد تكمن في سؤال آخر: ما الصورة التي تتكون لدى المتلقي نتيجة الطريقة التي جرى بها اختيار المعلومة وترتيبها وتقديمها؟
أولاً: من الكذب إلى التزييف
يمثل التمييز بين الكذب والتزييف نقطة تأسيسية في النظرية.
فالكذب يفترض عادةً قول شيء يعرف قائله أنه غير صحيح، بينما يمكن أن ينتج التزييف من مجموعة أوسع من العمليات.
قد تكون المعلومة صحيحة، لكن يتم اقتطاعها من سياقها.
وقد تكون الصورة حقيقية، لكن يتم استخدامها بطريقة تجعل المتلقي يستنتج منها شيئاً لم تكن تثبته في سياقها الأصلي.
وقد تكون الأرقام صحيحة، لكن اختيار بعضها وإخفاء بعضها الآخر يؤدي إلى تكوين صورة غير متوازنة.
وقد لا يكون هناك فاعل واحد خطط للعملية كاملة، وإنما تتفاعل مجموعة من الحوافز والوسائل والسلوكيات حتى تنتج في النهاية صورة مشوهة أو ناقصة عن الواقع.
ولهذا تقترح النظرية النظر إلى التزييف بوصفه عملية، وليس مجرد رسالة.
ثانياً: النموذج البنيوي للنظرية
تقوم النظرية على نموذج يربط بين مجموعة من العناصر الأساسية:
الفاعل ← السردية ← الوسيلة ← البيئة ← المتلقي ← الوعي والإدراك الجمعي ← إعادة إنتاج السردية
ولا تفترض النظرية أن هذه العملية خطية بصورة ميكانيكية، وإنما ترى أنها شبكة من العلاقات المتبادلة.
فالفاعل قد ينتج السردية، لكن السردية قد تتغير أثناء انتقالها عبر الوسائل.
والوسيلة لا تعمل بمعزل عن البيئة التي تستقبلها.
والمتلقي لا يستقبل السردية بصورة متطابقة، بل يفسرها وفق معرفته وخبرته وقيمه وانحيازاته.
ثم قد يتحول المتلقي نفسه إلى فاعل جديد يعيد إنتاج السردية، فتبدأ دورة جديدة.
ومن هنا تصبح إعادة الإنتاج أحد العناصر المهمة في فهم استمرار التزييف.
ثالثاً: الوعي والإدراك الجمعي
تضع النظرية الوعي والإدراك الجمعي في مركز البناء التفسيري.
فالهدف النهائي من عملية التأثير لا يتمثل دائماً في تغيير معلومة منفردة، وإنما قد يتمثل في تغيير الطريقة التي يفهم بها المجتمع الواقع.
وتفرق النظرية بين الوعي والإدراك مع التأكيد على ترابطهما.
فالوعي يمثل الإطار الأوسع للمعرفة والقيم والخبرة والقدرة على التحليل والمراجعة، بينما يمثل الإدراك الطريقة التي يفسر بها الإنسان المعلومات والوقائع ويمنحها معنى.
ومن هنا، يمكن أن تكون المشكلة أحياناً في كيفية إدراك الحقيقة أكثر منها في غياب الحقيقة نفسها.
وهذه النقطة تفتح مجالاً مهماً لدراسة العلاقة بين المعلومات والسرديات والإدراك، خصوصاً في البيئات التي تتعدد فيها مصادر المعرفة وتتسارع فيها عملية تداول المحتوى.
رابعاً: المتغيرات والفرضيات
لا تكتفي النظرية بوصف عناصر الظاهرة، وإنما تحاول تحديد المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في نتائجها.
ومن أبرزها:
خصائص الفاعل.
طبيعة السردية.
خصائص الوسيلة.
طبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية.
خصائص المتلقي.
مستوى التفكير النقدي.
مستوى الوعي والإدراك الجمعي.
مستوى المناعة الفكرية.
قابلية السردية لإعادة الإنتاج.
وتطرح النظرية مجموعة من الفرضيات القابلة للاختبار، من بينها أن ارتفاع مستوى الوعي والإدراك الجمعي يمكن أن يرتبط بانخفاض قابلية المجتمع لإعادة إنتاج السرديات غير الموضوعية، وأن خصائص البيئة والوسيلة والمتلقي يمكن أن تؤثر في مستوى انتشار السرديات وتأثيرها.
وهنا لا تقدم النظرية هذه الفرضيات بوصفها نتائج محسومة، وإنما بوصفها قضايا بحثية قابلة للاختبار.
وهذه نقطة أساسية في طبيعة المشروع؛ فالنظرية لا تطلب من الباحث أن يقبلها، وإنما تفتح المجال أمامه لاختبارها.
خامساً: من التفسير إلى الوقاية
لا تتوقف النظرية عند تفسير آليات التزييف، وإنما تقترح أن بناء الوعي والتفكير النقدي والمناعة الفكرية يمثل امتداداً طبيعياً للبناء النظري.
فالوقاية، وفق هذا التصور، لا تعني منع الأفكار أو تقييد الاختلاف، وإنما بناء الإنسان القادر على:
التحقق من المعلومات.
التمييز بين الحقيقة والتفسير.
مقاومة أثر التكرار.
مراجعة المصادر.
اكتشاف السياق المبتور.
إدراك أثر الانحيازات المعرفية.
مراجعة قناعاته عند ظهور أدلة جديدة.
وبذلك يصبح التفكير النقدي خط دفاع أول، بينما تمثل المناعة الفكرية قدرة أكثر استدامة على مقاومة عمليات التزييف.
سادساً: نحو اختبار النظرية
من أهم الأسئلة التي تواجه أي نظرية جديدة: كيف يمكن اختبارها؟
ولهذا تتجه الصياغة الأكاديمية للنظرية إلى الانتقال من المفاهيم العامة إلى المتغيرات والمؤشرات.
وتقترح الدراسة، بصورة أولية، أبعاداً يمكن تطويرها مستقبلاً إلى أداة قياس، منها:
القدرة على التحقق من المعلومات.
الاستقلال في التفكير.
مقاومة تأثير التكرار.
القدرة على الحوار.
التمييز بين الحقيقة والتأويل.
الوعي بتأثير الانتقاء المعرفي.
القدرة على مراجعة الموقف في ضوء الأدلة.
ولا تدعي النظرية أن هذه الأبعاد تمثل مقياساً علمياً مكتملاً في صورتها الحالية، وإنما تقدمها بوصفها تصوراً أولياً يحتاج إلى تطوير واختبار الصدق والثبات والتحليل الإحصائي.
وهنا يمكن أن يتحول المشروع مستقبلاً إلى برنامج بحثي تتعدد فيه الدراسات التطبيقية، بدلاً من أن تبقى النظرية مجرد بناء فكري مغلق.
سابعاً: حدود النظرية
لا تدعي «نظرية عصر التزييف» أنها تحل محل النظريات المتخصصة في الإعلام أو علم الاجتماع أو علم النفس أو العلوم السياسية.
كما أنها لا تدعي أن جميع عمليات التزييف تنتج عن فاعل واحد، ولا أن كل نتيجة مضللة تعني وجود مؤامرة أو قصد مسبق.
وتقر النظرية بأن بعض مفاهيمها تحتاج إلى المزيد من الضبط والاختبار، وأن قوتها العلمية ستتحدد بدرجة كبيرة بقدرة الباحثين الآخرين على اختبار فرضياتها، واكتشاف حدودها، وتعديل ما يحتاج إلى تعديل فيها.
ومن هنا، فإن النقد الأكاديمي ليس تهديداً للنظرية، وإنما يمثل جزءاً من مسار بنائها.
خاتمة
تحاول «نظرية عصر التزييف» الانتقال من التعامل مع التزييف بوصفه مجرد مشكلة في صحة المعلومات إلى دراسته بوصفه عملية متعددة العناصر يمكن أن تؤثر في الوعي والإدراك الجمعي.
وهي تقترح إطاراً يربط الفاعلين والسرديات والوسائل والبيئات والمتلقين، ثم يبحث في النتيجة التي تنشأ عن هذا التفاعل، وفي الطريقة التي يمكن بها للسرديات أن تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع.
ولا تكمن أهمية النظرية، في هذه المرحلة، في الادعاء بأنها قدمت إجابة نهائية، وإنما في محاولتها تحويل السؤال إلى بناء قابل للنقاش والاختبار.
فالنظرية التي لا يمكن اختبارها تبقى أقرب إلى التأمل الفكري، أما النظرية التي تطرح مفاهيم محددة، ومتغيرات، وعلاقات، وفرضيات، وتفتح المجال أمام الدراسات التطبيقية، فإنها تدخل مجالاً مختلفاً من التفكير العلمي.
ومن هنا، فإن «نظرية عصر التزييف» تقدم نفسها بوصفها مشروعاً بحثياً مفتوحاً، لا خاتمة للنقاش.
وربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه مفتوحاً أمام الباحثين هو:
إذا كان بالإمكان التأثير في الطريقة التي يدرك بها الإنسان الواقع، فكيف يمكن بناء مناعة معرفية تمكنه من اكتشاف هذا التأثير ومقاومته؟
هذا السؤال هو أحد المداخل التي يمكن أن تتوسع من خلالها النظرية في الدراسات المستقبلية.