دراسة نقدية تحليلية شاملة

ألف شكر لإدارة صدى الناس ، والشكر موصول للدكتور. رمضان بلال الناقد المفكر ..اتمنى من جميع الأحبة متابعة الصحيفة والمشاركة فيها .
حين تكتب الروح.. رحلة في مرايا الوعي وأسئلة الوجود
دراسة نقدية تحليلية شاملة في عالم الأديب والمفكر العراقي عباس النوري
بقلم د/رمضان بلال
.........
تمهيد
ليست بعض الكتب أوراقاً تُقرأ ثم تُطوى، ولا كلمات تُستهلك ثم تُنسى، وإنما تتحول إلى تجربة وجودية كاملة يعيشها القارئ ويخرج منها شخصاً آخر غير الذي دخل إليها. ومن هذا الطراز الرفيع يأتي كتاب «حين تكتب الروح» للأديب والمفكر العراقي عباس النوري؛ ذلك العمل الذي لا يكتفي بمخاطبة العقل أو استثارة العاطفة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الإنسان ذاته، واستفزاز وعيه، وإيقاظ الأسئلة النائمة في أعماقه.
إننا هنا لا نقف أمام نصوص متفرقة جمعتها دفّة كتاب، بل أمام مشروع فكري وأدبي متكامل، تتشابك فيه التأملات الوجودية مع الرؤى الفلسفية، وتتعانق فيه الروحانية مع النقد الاجتماعي، ويصبح الحرف جسراً بين الأرض والسماء، وبين الذاكرة والمصير، وبين الإنسان وظله الخفي.
أولاً: محور الكتابة والوعي
من الأداة إلى الكائن الحي
في الفصول الأولى من الكتاب (البدايات، صرخة قلم، سجال القلم والأنامل، حلم وقلم، الوحدة التي تكتب)، يعلن عباس النوري منذ اللحظة الأولى رفضه اختزال القلم في كونه أداة جامدة أو وسيلة ميكانيكية لتسجيل الأفكار.
القلم عنده ليس خشباً وحبراً، بل رفيق عزلة، وصديق صمت، وشاهد على الانكسارات الكبرى التي لا يراها أحد.
يمنح الكاتب القلم حياة كاملة؛ فيتكلم ويجادل ويحلم ويعاتب ويصمت ويحتج. إنها عملية أنسنة مدهشة تجعل الجماد أكثر حيوية من كثير من البشر.
وفي لحظة فارقة يقلب النوري العلاقة التقليدية بين الكاتب والقلم؛ فلا يعود الكاتب هو الذي يكتب بالقلم، بل يصبح القلم هو الذي يكتب الكاتب، ويعيد تشكيله، ويكشف هشاشته، ويعرّي مناطق الصمت المختبئة في داخله.
إن الكتابة هنا ليست نشاطاً ذهنياً، بل فعل ولادة متجددة للذات.
ثانياً: محور الذات والوجود والزمن
الإنسان بوصفه سؤالاً مفتوحاً
في هذا المحور ينتقل عباس النوري من العالم الخارجي إلى أعماق النفس الإنسانية، حيث تبدأ الأسئلة الكبرى التي شغلت الفلاسفة والمتصوفة والمفكرين منذ فجر التاريخ.
في نص «لماذا أنا هنا؟» يرفض الكاتب التفسيرات المادية الضيقة التي تجعل الإنسان مجرد آلة إنتاج واستهلاك وتكاثر.
ويطرح رؤية أكثر عمقاً حين يؤكد أن الإنسان لم يُخلق ليكون رقماً في معادلة اقتصادية، بل ليكون وعياً يضيف معنى للوجود.
بل إن أجمل ما يطرحه النوري في هذا السياق قوله الضمني إن الإنسان ليس مجرد كائن يسأل، وإنما هو السؤال نفسه.
فإذا كان الحجر يؤدي وظيفته، والنملة تؤدي رسالتها، فإن الإنسان وحده يحمل عبء التساؤل والبحث عن الحكمة والمعنى.
وفي هذه النصوص يتحول الزمن من ساعات وأيام إلى تجربة معرفية، ويصبح الألم معلماً صارماً لا يمنح شهادات النجاح إلا بعد استيعاب الدرس.
إن الألم عند النوري ليس عقوبة، بل أداة كشف.
ولذلك يقرر أن الإنسان لا ينضج حين يفرح، وإنما حين يفهم سبب أوجاعه.
كما يوجه الكاتب نقداً حاداً لعصرنا الحديث الذي شهد صعود العقل التقني وانحسار العقل الأخلاقي، فأصبحت الآلات أكثر ذكاءً بينما تراجع الإنسان في امتحان الرحمة والضمير.
ثالثاً: محور المجتمع واختلال الموازين
حين يصبح الإنسان ظلاً لنفسه
في نصوص هذا المحور يمارس عباس النوري دور الجراح الاجتماعي الذي يفتح جراح الواقع دون خوف.
إنه لا يكتفي بوصف الخلل، بل يبحث عن جذوره العميقة.
وفي نص «اختلال الكفة» يرسم صورة رمزية بديعة لإنسان يجر رأساً ضخماً ممتلئاً بالمعلومات، لكنه فقير في الحكمة.
إنها صورة عصر كامل تتضخم فيه المعرفة الرقمية بينما يتراجع الوعي الإنساني.
ويحذر الكاتب من أخطر ظاهرة معاصرة؛ وهي أن يتحول العقل إلى آلة، وأن يتحول الإنسان إلى تابع أعمى لما تنتجه تلك الآلة.
فالخطر الحقيقي ليس في الذكاء الصناعي، بل في غياب الإنسان القادر على توجيهه أخلاقياً.
أما في نص «الأصالة» فيعيد تعريف هذا المفهوم بعيداً عن الزخارف الاجتماعية والادعاءات الثقافية.
فالأصالة عنده ليست لقباً ولا مظهراً ولا نسباً، وإنما سلوك يومي يتجلى في الصدق والوفاء ونظافة الضمير.
إنها نبع خفي يتدفق من البيوت التي تعودت الصدق حتى صار جزءاً من تكوينها النفسي والروحي.
رابعاً: محور الوطن وجغرافيا الروح
العراق الذي يسكن الذاكرة
في هذا المحور يرتفع مفهوم الوطن من حدود الخرائط إلى فضاء الوجدان.
الوطن عند عباس النوري ليس أرضاً فقط، بل ذاكرة جماعية، وجراحاً مشتركة، وحكايات لا تموت.
وحين يقول: «أنا عباس النوري العراقي» فإنه لا يذكر جنسية بقدر ما يعلن انتماءً وجودياً عميقاً.
تظهر بغداد في النصوص بوصفها شخصية حية لا مدينة صامتة.
مدينة تبتلع الطغاة وتبقى.
مدينة مرت فوقها الإمبراطوريات والاحتلالات والانقلابات، لكنها ما زالت تحتفظ بروحها الأولى.
ويستحضر الكاتب المآسي العراقية الكبرى من المقابر الجماعية إلى حلبجة، لا ليبكي على الماضي، بل ليؤكد أن الذاكرة هي آخر خطوط الدفاع عن الأمم.
فالطغيان يبدأ دائماً حين ينسى الناس.
أما مدينته «المسيب» فتتحول إلى قصيدة حب طويلة، يصفها بأنها فاصلة رحمة بين بغداد العقل وكربلاء القلب.
ويمتد الوجدان القومي لديه ليشمل غزة، التي لا يراها مجرد مدينة محاصرة، بل مرآة أخلاقية تكشف ضمير العالم، وتفضح ازدواجية مواقفه، وتضع الإنسانية كلها أمام امتحان أخلاقي عسير.
خامساً: محور التصوف والميتافيزيقا
حين تبحث الروح عن سمائها
في هذه الفصول يدخل القارئ عالماً روحياً شفافاً يقترب من أدب المتصوفة الكبار.
لكن النوري لا يقدم تصوفاً انعزالياً هارباً من الواقع، بل تصوفاً واعياً يربط الإنسان بخالقه دون أن يفصله عن مجتمعه.
الإيمان عنده ليس شعارات، ولا خطباً منبرية، ولا جدالات لاهوتية.
إنه سكينة داخلية وطمأنينة عميقة.
وفي نص «لاهوت البرد» يقدم رؤية فلسفية استثنائية للثلج والشتاء في السويد.
فالشتاء ليس تغيراً مناخياً فحسب، بل اختبار روحي تقيس السماء من خلاله مقدار ما بقي في القلوب من يقين.
فالإنسان الذي يستمد دفأه من الداخل ينجو.
أما الذي يربط أمنه بالأسباب وحدها فإنه يتشقق مع أول عاصفة.
وفي رؤيته للحب يبلغ النوري ذروة النضج الروحي؛ فالحب ليس امتلاكاً، والعشق ليس استحواذاً.
إنهما حالة فهم عميقة واتحاد روحي تتلاقى فيه الأرواح حين تبلغ درجة كافية من النضج الإنساني.
سادساً: محور الغربة والرمز
اللغة التي تتجاوز الحدود
تمثل نصوص الغربة بعداً إنسانياً بالغ الأهمية في الكتاب.
فقد كتب بعضها باللغة السويدية ثم أعاد صياغتها بالعربية، ليؤكد أن المشاعر الإنسانية أكبر من حدود اللغات.
وهنا تتجلى قدرة الكاتب على تحويل تجربته الشخصية في المنفى إلى تجربة إنسانية عامة.
وفي نص «غبار الطريق» يبلغ الرمز ذروة نضجه الفني والفكري.
فالنص ليس قصة عابرة، بل بنية رمزية عميقة تناقش الاستبداد الفكري والطاعة العمياء وصناعة الإنسان المطيع على حساب الإنسان الواعي.
إنه نص يكشف كيف تتحول الطاعة حين تُفصل عن الفهم إلى أداة لإلغاء الإنسان.
وكيف يصبح السؤال الحر شرطاً أساسياً لبقاء الكرامة الإنسانية.
البنية اللغوية والأسلوبية
اقتصاد العبارة وثراء الدلالة
تتميز لغة عباس النوري بما يمكن تسميته «السهل الممتنع».
فهو لا يعتمد التعقيد اللفظي ولا الغموض المصطنع.
لكن بساطة عباراته تخفي خلفها كثافة فكرية عالية.
الجملة لديه قصيرة غالباً، لكنها مشبعة بالمعنى.
والصورة الأدبية تأتي موظفة لخدمة الفكرة لا للاستعراض البلاغي.
كما يعتمد على الثنائيات الضدية بصورة لافتة:
النور والظلام.
الصمت والكلام.
الوعي والجهل.
الروح والجسد.
الأثر والاسم.
وهذه الثنائيات ليست مجرد محسنات فنية، بل تعكس الصراع الوجودي الذي يشكل جوهر رؤيته الفكرية.
القيمة الفكرية للكتاب
تكمن أهمية «حين تكتب الروح» في أنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة.
إنه كتاب يوقظ القارئ أكثر مما يريحه.
ويجبره على إعادة النظر في أفكاره ومسلّماته وعلاقته بذاته وبالعالم.
فالكاتب لا يسعى إلى إقناع القارئ بقدر ما يسعى إلى تحريره من يقينياته الجامدة.
وهذه واحدة من أهم وظائف الأدب الحقيقي.
عباس النوري.. الكاتب الذي يحفر في طبقات الوعي
عباس النوري ليس مجرد أديب يكتب الخواطر أو المقالات.
إنه مشروع فكري متكامل يجمع بين الباحث والمؤرخ والمحلل والأديب والمتصوف.
وقد انعكست تجربته العراقية العميقة، وغربته الطويلة، وقراءاته الواسعة، على مجمل نتاجه الأدبي والفكري.
فهو ينظر إلى التاريخ بوصفه ذاكرة حية، وإلى السياسة بوصفها مرآة للأخلاق، وإلى الأدب بوصفه وسيلة لتحرير الإنسان من الجهل والخوف والزيف.
ومن هنا جاءت مؤلفاته المتعددة شاهدة على هذا المشروع الفكري المتكامل، وفي مقدمتها:
نظرية عصر التزييف.
تفسير دعاء يوم الثلاثاء.
التاريخ الذي لم يُكتب.
حين تكتب الروح.
سفرة إلى جهنم.
قصائد حرة.
كلمة أخيرة
بعد رحلة طويلة بين صفحات «حين تكتب الروح»، يمكن القول إننا أمام كتاب يتجاوز حدود التصنيف التقليدي.
فهو ليس مجموعة خواطر، ولا ديوان نثر، ولا دراسة فلسفية خالصة، ولا نصاً صوفياً صرفاً.
إنه مزيج نادر من الفكر والأدب والروح.
كتاب يكتب القارئ بقدر ما يقرأه.
ويعيد ترتيب أسئلته الداخلية بقدر ما يعيد ترتيب أفكاره.
لقد استطاع الأديب والمفكر العراقي عباس النوري أن يعيد الاعتبار للكلمة الصادقة في زمن الضجيج، وأن يجعل من الحرف جسراً نحو الوعي، ومن الوعي طريقاً نحو الإنسان.
وهذا هو جوهر الأدب العظيم؛ أن يترك أثراً يبقى بعد أن تنتهي الكلمات.
توقيع:
د/ رمضان بلال الناقد الأدبي والتحليل السيميائي للمتون الفكرية
حين تكتب الروح.. رحلة في مرايا الوعي وأسئلة الوجود
دراسة نقدية تحليلية شاملة في عالم الأديب والمفكر العراقي عباس النوري
بقلم د/رمضان بلال
.........
تمهيد
ليست بعض الكتب أوراقاً تُقرأ ثم تُطوى، ولا كلمات تُستهلك ثم تُنسى، وإنما تتحول إلى تجربة وجودية كاملة يعيشها القارئ ويخرج منها شخصاً آخر غير الذي دخل إليها. ومن هذا الطراز الرفيع يأتي كتاب «حين تكتب الروح» للأديب والمفكر العراقي عباس النوري؛ ذلك العمل الذي لا يكتفي بمخاطبة العقل أو استثارة العاطفة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الإنسان ذاته، واستفزاز وعيه، وإيقاظ الأسئلة النائمة في أعماقه.
إننا هنا لا نقف أمام نصوص متفرقة جمعتها دفّة كتاب، بل أمام مشروع فكري وأدبي متكامل، تتشابك فيه التأملات الوجودية مع الرؤى الفلسفية، وتتعانق فيه الروحانية مع النقد الاجتماعي، ويصبح الحرف جسراً بين الأرض والسماء، وبين الذاكرة والمصير، وبين الإنسان وظله الخفي.
أولاً: محور الكتابة والوعي
من الأداة إلى الكائن الحي
في الفصول الأولى من الكتاب (البدايات، صرخة قلم، سجال القلم والأنامل، حلم وقلم، الوحدة التي تكتب)، يعلن عباس النوري منذ اللحظة الأولى رفضه اختزال القلم في كونه أداة جامدة أو وسيلة ميكانيكية لتسجيل الأفكار.
القلم عنده ليس خشباً وحبراً، بل رفيق عزلة، وصديق صمت، وشاهد على الانكسارات الكبرى التي لا يراها أحد.
يمنح الكاتب القلم حياة كاملة؛ فيتكلم ويجادل ويحلم ويعاتب ويصمت ويحتج. إنها عملية أنسنة مدهشة تجعل الجماد أكثر حيوية من كثير من البشر.
وفي لحظة فارقة يقلب النوري العلاقة التقليدية بين الكاتب والقلم؛ فلا يعود الكاتب هو الذي يكتب بالقلم، بل يصبح القلم هو الذي يكتب الكاتب، ويعيد تشكيله، ويكشف هشاشته، ويعرّي مناطق الصمت المختبئة في داخله.
إن الكتابة هنا ليست نشاطاً ذهنياً، بل فعل ولادة متجددة للذات.
ثانياً: محور الذات والوجود والزمن
الإنسان بوصفه سؤالاً مفتوحاً
في هذا المحور ينتقل عباس النوري من العالم الخارجي إلى أعماق النفس الإنسانية، حيث تبدأ الأسئلة الكبرى التي شغلت الفلاسفة والمتصوفة والمفكرين منذ فجر التاريخ.
في نص «لماذا أنا هنا؟» يرفض الكاتب التفسيرات المادية الضيقة التي تجعل الإنسان مجرد آلة إنتاج واستهلاك وتكاثر.
ويطرح رؤية أكثر عمقاً حين يؤكد أن الإنسان لم يُخلق ليكون رقماً في معادلة اقتصادية، بل ليكون وعياً يضيف معنى للوجود.
بل إن أجمل ما يطرحه النوري في هذا السياق قوله الضمني إن الإنسان ليس مجرد كائن يسأل، وإنما هو السؤال نفسه.
فإذا كان الحجر يؤدي وظيفته، والنملة تؤدي رسالتها، فإن الإنسان وحده يحمل عبء التساؤل والبحث عن الحكمة والمعنى.
وفي هذه النصوص يتحول الزمن من ساعات وأيام إلى تجربة معرفية، ويصبح الألم معلماً صارماً لا يمنح شهادات النجاح إلا بعد استيعاب الدرس.
إن الألم عند النوري ليس عقوبة، بل أداة كشف.
ولذلك يقرر أن الإنسان لا ينضج حين يفرح، وإنما حين يفهم سبب أوجاعه.
كما يوجه الكاتب نقداً حاداً لعصرنا الحديث الذي شهد صعود العقل التقني وانحسار العقل الأخلاقي، فأصبحت الآلات أكثر ذكاءً بينما تراجع الإنسان في امتحان الرحمة والضمير.
ثالثاً: محور المجتمع واختلال الموازين
حين يصبح الإنسان ظلاً لنفسه
في نصوص هذا المحور يمارس عباس النوري دور الجراح الاجتماعي الذي يفتح جراح الواقع دون خوف.
إنه لا يكتفي بوصف الخلل، بل يبحث عن جذوره العميقة.
وفي نص «اختلال الكفة» يرسم صورة رمزية بديعة لإنسان يجر رأساً ضخماً ممتلئاً بالمعلومات، لكنه فقير في الحكمة.
إنها صورة عصر كامل تتضخم فيه المعرفة الرقمية بينما يتراجع الوعي الإنساني.
ويحذر الكاتب من أخطر ظاهرة معاصرة؛ وهي أن يتحول العقل إلى آلة، وأن يتحول الإنسان إلى تابع أعمى لما تنتجه تلك الآلة.
فالخطر الحقيقي ليس في الذكاء الصناعي، بل في غياب الإنسان القادر على توجيهه أخلاقياً.
أما في نص «الأصالة» فيعيد تعريف هذا المفهوم بعيداً عن الزخارف الاجتماعية والادعاءات الثقافية.
فالأصالة عنده ليست لقباً ولا مظهراً ولا نسباً، وإنما سلوك يومي يتجلى في الصدق والوفاء ونظافة الضمير.
إنها نبع خفي يتدفق من البيوت التي تعودت الصدق حتى صار جزءاً من تكوينها النفسي والروحي.
رابعاً: محور الوطن وجغرافيا الروح
العراق الذي يسكن الذاكرة
في هذا المحور يرتفع مفهوم الوطن من حدود الخرائط إلى فضاء الوجدان.
الوطن عند عباس النوري ليس أرضاً فقط، بل ذاكرة جماعية، وجراحاً مشتركة، وحكايات لا تموت.
وحين يقول: «أنا عباس النوري العراقي» فإنه لا يذكر جنسية بقدر ما يعلن انتماءً وجودياً عميقاً.
تظهر بغداد في النصوص بوصفها شخصية حية لا مدينة صامتة.
مدينة تبتلع الطغاة وتبقى.
مدينة مرت فوقها الإمبراطوريات والاحتلالات والانقلابات، لكنها ما زالت تحتفظ بروحها الأولى.
ويستحضر الكاتب المآسي العراقية الكبرى من المقابر الجماعية إلى حلبجة، لا ليبكي على الماضي، بل ليؤكد أن الذاكرة هي آخر خطوط الدفاع عن الأمم.
فالطغيان يبدأ دائماً حين ينسى الناس.
أما مدينته «المسيب» فتتحول إلى قصيدة حب طويلة، يصفها بأنها فاصلة رحمة بين بغداد العقل وكربلاء القلب.
ويمتد الوجدان القومي لديه ليشمل غزة، التي لا يراها مجرد مدينة محاصرة، بل مرآة أخلاقية تكشف ضمير العالم، وتفضح ازدواجية مواقفه، وتضع الإنسانية كلها أمام امتحان أخلاقي عسير.
خامساً: محور التصوف والميتافيزيقا
حين تبحث الروح عن سمائها
في هذه الفصول يدخل القارئ عالماً روحياً شفافاً يقترب من أدب المتصوفة الكبار.
لكن النوري لا يقدم تصوفاً انعزالياً هارباً من الواقع، بل تصوفاً واعياً يربط الإنسان بخالقه دون أن يفصله عن مجتمعه.
الإيمان عنده ليس شعارات، ولا خطباً منبرية، ولا جدالات لاهوتية.
إنه سكينة داخلية وطمأنينة عميقة.
وفي نص «لاهوت البرد» يقدم رؤية فلسفية استثنائية للثلج والشتاء في السويد.
فالشتاء ليس تغيراً مناخياً فحسب، بل اختبار روحي تقيس السماء من خلاله مقدار ما بقي في القلوب من يقين.
فالإنسان الذي يستمد دفأه من الداخل ينجو.
أما الذي يربط أمنه بالأسباب وحدها فإنه يتشقق مع أول عاصفة.
وفي رؤيته للحب يبلغ النوري ذروة النضج الروحي؛ فالحب ليس امتلاكاً، والعشق ليس استحواذاً.
إنهما حالة فهم عميقة واتحاد روحي تتلاقى فيه الأرواح حين تبلغ درجة كافية من النضج الإنساني.
سادساً: محور الغربة والرمز
اللغة التي تتجاوز الحدود
تمثل نصوص الغربة بعداً إنسانياً بالغ الأهمية في الكتاب.
فقد كتب بعضها باللغة السويدية ثم أعاد صياغتها بالعربية، ليؤكد أن المشاعر الإنسانية أكبر من حدود اللغات.
وهنا تتجلى قدرة الكاتب على تحويل تجربته الشخصية في المنفى إلى تجربة إنسانية عامة.
وفي نص «غبار الطريق» يبلغ الرمز ذروة نضجه الفني والفكري.
فالنص ليس قصة عابرة، بل بنية رمزية عميقة تناقش الاستبداد الفكري والطاعة العمياء وصناعة الإنسان المطيع على حساب الإنسان الواعي.
إنه نص يكشف كيف تتحول الطاعة حين تُفصل عن الفهم إلى أداة لإلغاء الإنسان.
وكيف يصبح السؤال الحر شرطاً أساسياً لبقاء الكرامة الإنسانية.
البنية اللغوية والأسلوبية
اقتصاد العبارة وثراء الدلالة
تتميز لغة عباس النوري بما يمكن تسميته «السهل الممتنع».
فهو لا يعتمد التعقيد اللفظي ولا الغموض المصطنع.
لكن بساطة عباراته تخفي خلفها كثافة فكرية عالية.
الجملة لديه قصيرة غالباً، لكنها مشبعة بالمعنى.
والصورة الأدبية تأتي موظفة لخدمة الفكرة لا للاستعراض البلاغي.
كما يعتمد على الثنائيات الضدية بصورة لافتة:
النور والظلام.
الصمت والكلام.
الوعي والجهل.
الروح والجسد.
الأثر والاسم.
وهذه الثنائيات ليست مجرد محسنات فنية، بل تعكس الصراع الوجودي الذي يشكل جوهر رؤيته الفكرية.
القيمة الفكرية للكتاب
تكمن أهمية «حين تكتب الروح» في أنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة.
إنه كتاب يوقظ القارئ أكثر مما يريحه.
ويجبره على إعادة النظر في أفكاره ومسلّماته وعلاقته بذاته وبالعالم.
فالكاتب لا يسعى إلى إقناع القارئ بقدر ما يسعى إلى تحريره من يقينياته الجامدة.
وهذه واحدة من أهم وظائف الأدب الحقيقي.
عباس النوري.. الكاتب الذي يحفر في طبقات الوعي
عباس النوري ليس مجرد أديب يكتب الخواطر أو المقالات.
إنه مشروع فكري متكامل يجمع بين الباحث والمؤرخ والمحلل والأديب والمتصوف.
وقد انعكست تجربته العراقية العميقة، وغربته الطويلة، وقراءاته الواسعة، على مجمل نتاجه الأدبي والفكري.
فهو ينظر إلى التاريخ بوصفه ذاكرة حية، وإلى السياسة بوصفها مرآة للأخلاق، وإلى الأدب بوصفه وسيلة لتحرير الإنسان من الجهل والخوف والزيف.
ومن هنا جاءت مؤلفاته المتعددة شاهدة على هذا المشروع الفكري المتكامل، وفي مقدمتها:
نظرية عصر التزييف.
تفسير دعاء يوم الثلاثاء.
التاريخ الذي لم يُكتب.
حين تكتب الروح.
سفرة إلى جهنم.
قصائد حرة.
كلمة أخيرة
بعد رحلة طويلة بين صفحات «حين تكتب الروح»، يمكن القول إننا أمام كتاب يتجاوز حدود التصنيف التقليدي.
فهو ليس مجموعة خواطر، ولا ديوان نثر، ولا دراسة فلسفية خالصة، ولا نصاً صوفياً صرفاً.
إنه مزيج نادر من الفكر والأدب والروح.
كتاب يكتب القارئ بقدر ما يقرأه.
ويعيد ترتيب أسئلته الداخلية بقدر ما يعيد ترتيب أفكاره.
لقد استطاع الأديب والمفكر العراقي عباس النوري أن يعيد الاعتبار للكلمة الصادقة في زمن الضجيج، وأن يجعل من الحرف جسراً نحو الوعي، ومن الوعي طريقاً نحو الإنسان.
وهذا هو جوهر الأدب العظيم؛ أن يترك أثراً يبقى بعد أن تنتهي الكلمات.
توقيع:
د/ رمضان بلال الناقد الأدبي والتحليل السيميائي للمتون الفكرية