النظام الدولي الجديد

النظام الدولي الجديد
من مقال كتبته عام 1991 إلى عالم يتشكل أمام أعيننا
بقلم عباس النوري
هناك عناوين لا تنتهي علاقتها بالكاتب عندما ينتهي من كتابة المقال، بل تظل معلقة في الذاكرة، تنتظر لحظة أخرى من التاريخ لكي تعود وتطرح السؤال من جديد. ومن هذه العناوين عنوان «النظام الدولي الجديد» الذي كتبته في عام 1991 في جريدة «العرب» اللندنية، في مرحلة كان العالم يعيش فيها واحدة من أكثر لحظاته اضطرابًا وتحولًا، بعد أن انتهت الحرب الباردة تقريبًا، وقبل أن يكتمل سقوط الاتحاد السوفيتي، وكانت الولايات المتحدة قد بدأت تظهر أمام العالم باعتبارها القوة التي خرجت منتصرة من صراع طويل امتد لعقود.
كنت يومها أرى أن العالم الذي يخرج من نظام ثنائي القطبية لن يبقى طويلًا على الصورة التي بدأ يتشكل عليها، وأن الولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، لن تستطيع أن تتحول إلى مركز دائم يحكم العالم منفردًا، ولذلك كتبت أن على الدول العربية أن تعيد النظر في بوصلتها، وأن تفتح أبوابها باتجاه الشرق، وخصوصًا نحو الصين وروسيا، ليس لأنني كنت أرى في الشرق بديلًا عن الغرب فحسب، وإنما لأنني كنت أعتقد أن الحكمة السياسية تقتضي ألا تربط الأمة مستقبلها بقطب واحد، مهما بدا ذلك القطب قويًا في لحظة تاريخية معينة.
وبعد نشر المقال دعيت إلى جامعة الفاتح لحضور مؤتمر شارك فيه عدد من الأساتذة والمفكرين من دول عربية وأجنبية، وكان من بين المشاركين خبراء من الولايات المتحدة، وأذكر على وجه التحديد وزير خارجية مالطا، وكانت لي مداخلة في المؤتمر قدمت فيها بحثًا عن تطور المجتمع السويدي، وكيف استطاع مجتمع عانى المرض والجوع والهجرة أن ينتقل خلال فترة تاريخية ليست طويلة، قياسًا بعمر الشعوب، إلى واحد من أكثر المجتمعات تقدمًا في العالم. وربما كان الرابط بين الموضوعين بالنسبة لي آنذاك هو الإيمان بأن المجتمعات لا تُحكم فقط بما تملكه في لحظة معينة، وإنما بما تستطيع أن تراه من مستقبلها، وبما تملكه من قدرة على مراجعة أخطائها وإعادة بناء نفسها.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، أعود إلى العنوان نفسه، لكنني لا أعود إليه بالطريقة التي كتبته بها عام 1991، لأن العالم الذي كان آنذاك يقف أمام احتمال ولادة نظام دولي جديد أصبح اليوم يعيش بالفعل مخاض ذلك النظام، وربما تكون المفارقة الأكبر أن كثيرًا من الأفكار التي كانت تبدو يومها مجرد قراءة أو توقع سياسي أصبحت اليوم موضوعًا تبحثه المؤسسات الاستراتيجية والاستخباراتية الكبرى، بل إن بعض أهم المؤشرات على تغير ميزان القوة تأتي من داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.
ولذلك فإنني عندما أقول اليوم إن عصر القطب الأوحد يقترب من نهايته، لا أقصد أن الولايات المتحدة انهارت، ولا أرى في ذلك انهيارًا قريبًا أو حتميًا، كما يحاول بعض الخطاب السياسي أن يصور الأمر، لأن الولايات المتحدة ما زالت قوة كبرى تمتلك اقتصادًا هائلًا وقدرات عسكرية وتكنولوجية ومالية وشبكة واسعة من التحالفات والنفوذ، وإنما أقصد شيئًا أكثر دقة، وهو أن العالم لم يعد يسير نحو مستقبل تستطيع فيه دولة واحدة أن تفرض إرادتها على جميع المناطق وفي جميع المجالات كما كان ممكنًا خلال اللحظة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.
وهنا تكمن أهمية ما تقوله التقارير الأمريكية نفسها؛ ففي تقرير «Global Trends 2040» الصادر عن المجلس الوطني للاستخبارات الأمريكية، نجد قراءة للمستقبل الدولي تقوم على أن القوة ستصبح أكثر انتشارًا بين الدول والفاعلين، وأنه من غير المرجح أن تستطيع دولة واحدة أن تهيمن على جميع المناطق والمجالات، كما يضع التقرير ضمن سيناريوهاته المستقبلية عالمًا تتشكل فيه كتل اقتصادية وأمنية متعددة تتمحور حول الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وقوى إقليمية أخرى.
إن أهمية هذه القراءة لا تأتي فقط من مضمونها، وإنما من مصدرها؛ فنحن لا نتحدث هنا عن كاتب روسي يحاول إقناع العالم بأن عصر أمريكا انتهى، ولا عن خطاب صيني يريد أن يثبت أن القرن الحادي والعشرين أصبح قرن الصين، وإنما عن مؤسسة أمريكية تنظر إلى المستقبل من داخل منظومة القوة الأمريكية نفسها، ولذلك فإن الاعتراف بأن مصادر القوة ستصبح أكثر انتشارًا يحمل دلالة أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى.
وهنا أتذكر دائمًا أن التاريخ لا يعلن نهاياته بالطريقة التي نتخيلها نحن، فالإمبراطوريات لا تستيقظ ذات صباح لتكتشف أنها اختفت، والدول الكبرى لا تفقد قوتها دفعة واحدة، وإنما تبدأ المسألة غالبًا عندما تتغير البيئة التي كانت تجعل قوتها قادرة على العمل بالطريقة نفسها التي اعتادت عليها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل انتهت أمريكا؟ وإنما: هل ما زالت أمريكا قادرة على إدارة العالم بالطريقة التي كانت قادرة عليها في لحظة الأحادية القطبية؟
هذا السؤال، في تقديري، هو السؤال الحقيقي.
فالصين التي كانت في بداية التسعينيات دولة مختلفة تمامًا عن الصين التي نراها اليوم أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، وروسيا التي خرجت من انهيار الاتحاد السوفيتي وهي تعاني أزمات اقتصادية وسياسية عميقة لم تختفِ من الخريطة الاستراتيجية، والهند تتقدم بثقل اقتصادي وسكاني وتكنولوجي متزايد، وأوروبا تمتلك وزنًا اقتصاديًا وتنظيميًا كبيرًا، كما أن دولًا إقليمية عديدة أصبحت تمتلك من الموارد والطاقة والموقع الجغرافي والقدرة المالية ما يسمح لها بهامش أكبر من المناورة مما كان متاحًا لها في الماضي.
بل إن مفهوم القوة نفسه تغير، وهذه نقطة ربما تكون أهم من كل ما سبق، لأن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والبيانات، والعملات، والأسواق، والقدرة على التأثير في الرأي العام، بل وحتى القدرة على صناعة الرواية التي يصدقها الناس عن أنفسهم وعن خصومهم وعن العالم الذي يعيشون فيه.
وهنا بالذات أجد أن التحول في النظام الدولي يلتقي مع ما حاولت أن أطرحه في «نظرية عصر التزييف».
فالتزييف في عصرنا لم يعد يعني فقط أن تأتي جهة ما بخبر كاذب وتنشره بين الناس، لأن المسألة أصبحت أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فقد تكون المعلومات التي تصل إلى الإنسان صحيحة في جزئياتها، ولكن المشكلة تكمن في الطريقة التي جرى بها اختيارها وترتيبها وربط بعضها ببعض، بحيث يجد الإنسان نفسه أمام صورة مكتملة تبدو له حقيقة مطلقة، بينما هي في الواقع صورة منتقاة من الحقيقة.
ومن أخطر صور هذا التزييف أن يُصنع للإنسان إطار يرى العالم من خلاله، ثم يُترك له الاعتقاد بأنه اختار هذا الإطار بنفسه.
وهذا ما حدث، بدرجات مختلفة، في طريقة تقديم النظام الدولي خلال العقود الماضية؛ فقد ترسخت في وعي قطاعات واسعة من البشر صورة تقول إن العالم أصبح أمريكيًا، وإن الولايات المتحدة هي المركز الذي تدور حوله السياسة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا، حتى أصبح كثيرون يتعاملون مع الأحادية القطبية وكأنها حقيقة طبيعية ثابتة، وليست مرحلة تاريخية لها بداية ويمكن أن تكون لها نهاية.
وهنا لا أريد أن أقع في التزييف المقابل، لأنني أرى أن القول بأن أمريكا انتهت لا يقل تبسيطًا عن القول بأنها ستبقى القوة الوحيدة إلى الأبد. كلا القولين يختزلان حركة التاريخ في صورة واحدة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالولايات المتحدة ما زالت قوية، ولكن القوة لم تعد موزعة بالطريقة نفسها التي كانت عليها في تسعينيات القرن الماضي، والمنافسون لم يعودوا مجرد دول يمكن عزلها أو احتواؤها بسهولة، كما أن الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة أصبحت تنتقل بين مراكز متعددة بصورة لم تكن ممكنة في السابق.
وتأتي التطورات المتعلقة بالصين وروسيا وكوريا الشمالية لتؤكد أن العلاقات الدولية أصبحت أكثر تعقيدًا من فكرة وجود معسكرين ثابتين؛ فتقييم التهديدات السنوي للاستخبارات الأمريكية لعام 2026 يتحدث عن تعاون متزايد وانتقائي بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية، لكنه في الوقت نفسه لا يقدم هذه الدول باعتبارها تحالفًا واحدًا متماسكًا، بل يشير إلى أن المصالح المتباينة بينها تحد من تحولها إلى كتلة واحدة.
وهذا في رأيي هو أحد أهم ملامح النظام الدولي القادم؛ فهو لن يكون بالضرورة عودة إلى الحرب الباردة، ولن يكون نسخة جديدة من الصراع بين واشنطن وموسكو، وربما لا يكون صراعًا مباشرًا بين الصين وأمريكا كما يتخيل البعض، وإنما سيكون عالمًا أكثر سيولة، تتقاطع فيه المصالح، وتتغير فيه التحالفات، وتتعاون الدول في مجال بينما تختلف في مجال آخر، وتصبح القدرة على المناورة جزءًا من القوة نفسها.
ومن هنا أجد أن العودة إلى مقالي عام 1991 تحمل بالنسبة لي معنى آخر، لأنني كنت أقول يومها إن على العرب ألا يضعوا أنفسهم في علاقة دائمة مع مركز واحد من مراكز القوة، أما اليوم فإنني أرى أن المسألة أصبحت أكثر إلحاحًا، ولكنني لم أعد أقول للعرب: اتجهوا إلى الشرق بدل الغرب، لأن ذلك يعني أننا قد نستبدل تبعية بتبعية أخرى، وإنما أقول إن عليهم أن يتعلموا كيف يتحركون في عالم متعدد الأقطاب، وأن تكون علاقتهم بواشنطن وبكين وموسكو وأوروبا والهند وغيرها قائمة على المصلحة والاحترام المتبادل، لا على فكرة أن هناك مركزًا واحدًا يجب أن تدور حوله السياسة العربية.
لقد عانينا طويلًا من مشكلة البوصلة الواحدة، وربما كان من أخطر ما فعلته بنا السياسة الدولية أنها جعلتنا نعتقد أن أمامنا طريقًا واحدًا وخيارين لا ثالث لهما، مع أن الواقع كان دائمًا أكثر اتساعًا من ذلك. وفي «عصر التزييف» تصبح صناعة الخيارات أخطر من تزوير المعلومات نفسها؛ لأنك إذا استطعت أن تجعل الإنسان يعتقد أن أمامه خيارين فقط، فقد نجحت في توجيه قراره حتى لو تركته يختار بحرية بينهما.
ولذلك فإن انتهاء عصر القطب الأوحد لا يعني بالضرورة أن العالم سيصبح أكثر عدلًا أو أكثر أمنًا، فالعالم متعدد الأقطاب قد يكون أكثر قدرة على منع احتكار القوة، لكنه قد يكون أيضًا أكثر اضطرابًا إذا فشلت القوى الكبرى في الوصول إلى قواعد جديدة للتعامل فيما بينها، وقد يصبح الصراع على النفوذ أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تدخل التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والمعلومات في قلب الصراع، وهو ما يجعل المرحلة القادمة مختلفة عن كل ما عرفناه في القرن الماضي.
وأعتقد أن الخطر الأكبر على العرب في هذه المرحلة لا يكمن فقط في أن يختاروا القطب الخطأ، وإنما في أن يبقوا أصلًا خارج صناعة الاختيار، وأن ينتقل العالم من نظام أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب بينما تبقى العقلية العربية أسيرة النظام القديم، فتتغير موازين القوة في العالم ولا يتغير معها تصورنا لموقعنا فيه.
وهذا يعيدني إلى البحث الذي قدمته في جامعة الفاتح عن السويد، لأنني كنت أرى في التجربة السويدية آنذاك شيئًا يتجاوز حدود السويد نفسها؛ كنت أرى مجتمعًا لم يولد متقدمًا، ولم تكن الجغرافيا وحدها هي التي منحته ما وصل إليه، وإنما كان هناك وعي بالواقع، واعتراف بالمشكلة، وإرادة للتغيير، وبناء للمؤسسات، واستثمار في الإنسان والمعرفة، وهذه كلها عوامل جعلت المجتمع قادرًا على الانتقال من مرحلة إلى أخرى بدل أن يبقى أسير صورته القديمة.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم ونحن نقرأ النظام الدولي الجديد؛ فنحن لا نحتاج فقط إلى معرفة من يربح ومن يخسر، وإنما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: أين نحن من هذا التحول؟ وهل نملك القدرة على قراءة العالم كما هو، أم أننا ما زلنا نراه من خلال الصور التي يصنعها الآخرون لنا؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر التزييف ليس أن يكذب الآخرون علينا، وإنما أن نعتاد نحن على الصورة التي صنعوها لنا حتى تصبح الحقيقة بالنسبة إلينا شيئًا ثانويًا.
لقد كتبت عام 1991 أن على العرب أن يغيروا بوصلتهم، وكنت يومها أرى أن الشرق، وبخاصة الصين وروسيا، سيصبح أكثر أهمية في المستقبل، ولم أكن أملك آنذاك كل الأدوات التي تسمح لي بإثبات ذلك، وإنما كنت أقرأ حركة التاريخ كما كنت أفهمها في ذلك الوقت. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا أعود إلى ذلك المقال لأقول إنني كنت على حق في كل ما قلته، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يمنح الإنسان شهادة كاملة على توقعاته، وإنما أعود إليه لأن السؤال الذي طرحته آنذاك ما زال قائمًا، لكن العالم أصبح الآن يقدم لنا جزءًا كبيرًا من الإجابة.
لقد كان السؤال عام 1991: هل يستطيع قطب واحد أن يقود العالم؟
أما السؤال اليوم فأصبح: كيف سيكون العالم بعد أن لم يعد القطب الواحد قادرًا على احتكار القوة؟
وأعتقد أن الإجابة بدأت تتشكل أمام أعيننا؛ لسنا أمام سقوط أمريكا، ولسنا أمام ولادة إمبراطورية صينية جديدة، ولسنا أمام عودة الاتحاد السوفيتي، وإنما أمام انتقال تدريجي من عالم كانت فيه القوة مركزة بصورة استثنائية إلى عالم تتوزع فيه عناصر القوة بين أكثر من مركز، وهو انتقال قد يستغرق سنوات طويلة، وقد يمر بأزمات وحروب وتسويات، لكنه في النهاية يعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية.
وهنا ربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه من هذا التحول هو أن العالم لا يتغير فقط عندما تسقط دولة أو تصعد دولة أخرى، وإنما يتغير عندما تتبدل موازين القوة، وعندما تتغير معها الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه وموقعه ومصالحه ومستقبله.
ولهذا فإنني لا أرى أن «النظام الدولي الجديد» الذي كتبت عنه عام 1991 قد وصل اليوم إلى صورته النهائية، وإنما أراه في مرحلة التشكل، وربما يكون أخطر ما فيه أن القوى الكبرى نفسها لم تحسم بعد شكل النظام الذي سيولد من هذه المرحلة.
لكن شيئًا واحدًا يبدو لي أكثر وضوحًا من السابق: لقد انتهى الزمن الذي كان يمكن فيه التعامل مع العالم باعتباره عالم قطب واحد، حتى وإن بقيت الولايات المتحدة القوة الأكبر أو واحدة من أكبر القوى فيه.
وإذا كان هذا التحول يحمل للعالم مخاطر كثيرة، فإنه يحمل للعرب فرصة تاريخية أيضًا، بشرط ألا يتعاملوا معه بعقلية التبعية القديمة؛ فليس المطلوب أن نستبدل واشنطن ببكين، ولا أن نستبدل الغرب بالشرق، وإنما أن نخرج من فكرة أن مستقبلنا يجب أن يكون مرتبطًا بإرادة مركز خارجي واحد، وأن نبدأ بالتفكير في أنفسنا باعتبارنا طرفًا له مصالح وقدرات وموقع وثقافة وتاريخ، ويستطيع، إذا امتلك الإرادة والمؤسسات والوعي، أن يتعامل مع جميع الأقطاب من موقع الشريك لا من موقع التابع.
وهنا أعود إلى «عصر التزييف» مرة أخرى، لأنني أعتقد أن المعركة القادمة لن تكون على الأرض فقط، ولا في الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا وحدها، وإنما ستكون أيضًا على وعي الإنسان؛ فمن يستطيع أن يجعل الشعوب ترى العالم كما يريد هو أن تراه، يستطيع أن يؤثر في خياراتها قبل أن تبدأ في اتخاذها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط: من سيكون القطب الأقوى؟
وإنما: من سيمتلك القدرة على رؤية الحقيقة بعيدًا عن الروايات الجاهزة؟
لقد كتبت في عام 1991 عن «النظام الدولي الجديد» عندما كان العالم يتهيأ للخروج من نظام قديم، واليوم أعود إلى العنوان نفسه لأنني أشعر أن التاريخ وضع أمامنا فرصة أخرى لقراءة ما يحدث، لا لكي نعلن سقوط أحد، ولا لكي نحتفل بانتصار أحد، وإنما لكي نفهم أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير، وأن زمن القطب الأوحد الذي بدا بعد الحرب الباردة وكأنه قدر لا يتغير قد بدأ يفسح المجال أمام عالم آخر، عالم تتعدد فيه مراكز القوة والمصالح والتأثير.
والسؤال الذي سيبقى أمامنا، نحن العرب، ليس من سيحكم العالم بعد أمريكا، لأنني لا أعتقد أن العالم سيذهب ببساطة من يد إلى يد، وإنما السؤال الأصعب والأهم هو: هل سنظل ننتظر أن يحدد الآخرون موقعنا في النظام الدولي الجديد، أم سنمتلك أخيرًا من الوعي والإرادة والمؤسسات ما يجعلنا طرفًا في صناعته؟
فالعالم يتغير، وهذه المرة لا يكفي أن نراقب التغيير من بعيد، لأن من لا يشارك في صناعة النظام الجديد قد يجد نفسه، بعد أن يستقر، مضطرًا للعيش وفق القواعد التي وضعها الآخرون.
عباس النوري
2026/08/08
من مقال كتبته عام 1991 إلى عالم يتشكل أمام أعيننا
بقلم عباس النوري
هناك عناوين لا تنتهي علاقتها بالكاتب عندما ينتهي من كتابة المقال، بل تظل معلقة في الذاكرة، تنتظر لحظة أخرى من التاريخ لكي تعود وتطرح السؤال من جديد. ومن هذه العناوين عنوان «النظام الدولي الجديد» الذي كتبته في عام 1991 في جريدة «العرب» اللندنية، في مرحلة كان العالم يعيش فيها واحدة من أكثر لحظاته اضطرابًا وتحولًا، بعد أن انتهت الحرب الباردة تقريبًا، وقبل أن يكتمل سقوط الاتحاد السوفيتي، وكانت الولايات المتحدة قد بدأت تظهر أمام العالم باعتبارها القوة التي خرجت منتصرة من صراع طويل امتد لعقود.
كنت يومها أرى أن العالم الذي يخرج من نظام ثنائي القطبية لن يبقى طويلًا على الصورة التي بدأ يتشكل عليها، وأن الولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، لن تستطيع أن تتحول إلى مركز دائم يحكم العالم منفردًا، ولذلك كتبت أن على الدول العربية أن تعيد النظر في بوصلتها، وأن تفتح أبوابها باتجاه الشرق، وخصوصًا نحو الصين وروسيا، ليس لأنني كنت أرى في الشرق بديلًا عن الغرب فحسب، وإنما لأنني كنت أعتقد أن الحكمة السياسية تقتضي ألا تربط الأمة مستقبلها بقطب واحد، مهما بدا ذلك القطب قويًا في لحظة تاريخية معينة.
وبعد نشر المقال دعيت إلى جامعة الفاتح لحضور مؤتمر شارك فيه عدد من الأساتذة والمفكرين من دول عربية وأجنبية، وكان من بين المشاركين خبراء من الولايات المتحدة، وأذكر على وجه التحديد وزير خارجية مالطا، وكانت لي مداخلة في المؤتمر قدمت فيها بحثًا عن تطور المجتمع السويدي، وكيف استطاع مجتمع عانى المرض والجوع والهجرة أن ينتقل خلال فترة تاريخية ليست طويلة، قياسًا بعمر الشعوب، إلى واحد من أكثر المجتمعات تقدمًا في العالم. وربما كان الرابط بين الموضوعين بالنسبة لي آنذاك هو الإيمان بأن المجتمعات لا تُحكم فقط بما تملكه في لحظة معينة، وإنما بما تستطيع أن تراه من مستقبلها، وبما تملكه من قدرة على مراجعة أخطائها وإعادة بناء نفسها.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، أعود إلى العنوان نفسه، لكنني لا أعود إليه بالطريقة التي كتبته بها عام 1991، لأن العالم الذي كان آنذاك يقف أمام احتمال ولادة نظام دولي جديد أصبح اليوم يعيش بالفعل مخاض ذلك النظام، وربما تكون المفارقة الأكبر أن كثيرًا من الأفكار التي كانت تبدو يومها مجرد قراءة أو توقع سياسي أصبحت اليوم موضوعًا تبحثه المؤسسات الاستراتيجية والاستخباراتية الكبرى، بل إن بعض أهم المؤشرات على تغير ميزان القوة تأتي من داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.
ولذلك فإنني عندما أقول اليوم إن عصر القطب الأوحد يقترب من نهايته، لا أقصد أن الولايات المتحدة انهارت، ولا أرى في ذلك انهيارًا قريبًا أو حتميًا، كما يحاول بعض الخطاب السياسي أن يصور الأمر، لأن الولايات المتحدة ما زالت قوة كبرى تمتلك اقتصادًا هائلًا وقدرات عسكرية وتكنولوجية ومالية وشبكة واسعة من التحالفات والنفوذ، وإنما أقصد شيئًا أكثر دقة، وهو أن العالم لم يعد يسير نحو مستقبل تستطيع فيه دولة واحدة أن تفرض إرادتها على جميع المناطق وفي جميع المجالات كما كان ممكنًا خلال اللحظة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.
وهنا تكمن أهمية ما تقوله التقارير الأمريكية نفسها؛ ففي تقرير «Global Trends 2040» الصادر عن المجلس الوطني للاستخبارات الأمريكية، نجد قراءة للمستقبل الدولي تقوم على أن القوة ستصبح أكثر انتشارًا بين الدول والفاعلين، وأنه من غير المرجح أن تستطيع دولة واحدة أن تهيمن على جميع المناطق والمجالات، كما يضع التقرير ضمن سيناريوهاته المستقبلية عالمًا تتشكل فيه كتل اقتصادية وأمنية متعددة تتمحور حول الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وقوى إقليمية أخرى.
إن أهمية هذه القراءة لا تأتي فقط من مضمونها، وإنما من مصدرها؛ فنحن لا نتحدث هنا عن كاتب روسي يحاول إقناع العالم بأن عصر أمريكا انتهى، ولا عن خطاب صيني يريد أن يثبت أن القرن الحادي والعشرين أصبح قرن الصين، وإنما عن مؤسسة أمريكية تنظر إلى المستقبل من داخل منظومة القوة الأمريكية نفسها، ولذلك فإن الاعتراف بأن مصادر القوة ستصبح أكثر انتشارًا يحمل دلالة أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى.
وهنا أتذكر دائمًا أن التاريخ لا يعلن نهاياته بالطريقة التي نتخيلها نحن، فالإمبراطوريات لا تستيقظ ذات صباح لتكتشف أنها اختفت، والدول الكبرى لا تفقد قوتها دفعة واحدة، وإنما تبدأ المسألة غالبًا عندما تتغير البيئة التي كانت تجعل قوتها قادرة على العمل بالطريقة نفسها التي اعتادت عليها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل انتهت أمريكا؟ وإنما: هل ما زالت أمريكا قادرة على إدارة العالم بالطريقة التي كانت قادرة عليها في لحظة الأحادية القطبية؟
هذا السؤال، في تقديري، هو السؤال الحقيقي.
فالصين التي كانت في بداية التسعينيات دولة مختلفة تمامًا عن الصين التي نراها اليوم أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، وروسيا التي خرجت من انهيار الاتحاد السوفيتي وهي تعاني أزمات اقتصادية وسياسية عميقة لم تختفِ من الخريطة الاستراتيجية، والهند تتقدم بثقل اقتصادي وسكاني وتكنولوجي متزايد، وأوروبا تمتلك وزنًا اقتصاديًا وتنظيميًا كبيرًا، كما أن دولًا إقليمية عديدة أصبحت تمتلك من الموارد والطاقة والموقع الجغرافي والقدرة المالية ما يسمح لها بهامش أكبر من المناورة مما كان متاحًا لها في الماضي.
بل إن مفهوم القوة نفسه تغير، وهذه نقطة ربما تكون أهم من كل ما سبق، لأن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بالذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والبيانات، والعملات، والأسواق، والقدرة على التأثير في الرأي العام، بل وحتى القدرة على صناعة الرواية التي يصدقها الناس عن أنفسهم وعن خصومهم وعن العالم الذي يعيشون فيه.
وهنا بالذات أجد أن التحول في النظام الدولي يلتقي مع ما حاولت أن أطرحه في «نظرية عصر التزييف».
فالتزييف في عصرنا لم يعد يعني فقط أن تأتي جهة ما بخبر كاذب وتنشره بين الناس، لأن المسألة أصبحت أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فقد تكون المعلومات التي تصل إلى الإنسان صحيحة في جزئياتها، ولكن المشكلة تكمن في الطريقة التي جرى بها اختيارها وترتيبها وربط بعضها ببعض، بحيث يجد الإنسان نفسه أمام صورة مكتملة تبدو له حقيقة مطلقة، بينما هي في الواقع صورة منتقاة من الحقيقة.
ومن أخطر صور هذا التزييف أن يُصنع للإنسان إطار يرى العالم من خلاله، ثم يُترك له الاعتقاد بأنه اختار هذا الإطار بنفسه.
وهذا ما حدث، بدرجات مختلفة، في طريقة تقديم النظام الدولي خلال العقود الماضية؛ فقد ترسخت في وعي قطاعات واسعة من البشر صورة تقول إن العالم أصبح أمريكيًا، وإن الولايات المتحدة هي المركز الذي تدور حوله السياسة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا، حتى أصبح كثيرون يتعاملون مع الأحادية القطبية وكأنها حقيقة طبيعية ثابتة، وليست مرحلة تاريخية لها بداية ويمكن أن تكون لها نهاية.
وهنا لا أريد أن أقع في التزييف المقابل، لأنني أرى أن القول بأن أمريكا انتهت لا يقل تبسيطًا عن القول بأنها ستبقى القوة الوحيدة إلى الأبد. كلا القولين يختزلان حركة التاريخ في صورة واحدة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالولايات المتحدة ما زالت قوية، ولكن القوة لم تعد موزعة بالطريقة نفسها التي كانت عليها في تسعينيات القرن الماضي، والمنافسون لم يعودوا مجرد دول يمكن عزلها أو احتواؤها بسهولة، كما أن الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة أصبحت تنتقل بين مراكز متعددة بصورة لم تكن ممكنة في السابق.
وتأتي التطورات المتعلقة بالصين وروسيا وكوريا الشمالية لتؤكد أن العلاقات الدولية أصبحت أكثر تعقيدًا من فكرة وجود معسكرين ثابتين؛ فتقييم التهديدات السنوي للاستخبارات الأمريكية لعام 2026 يتحدث عن تعاون متزايد وانتقائي بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية، لكنه في الوقت نفسه لا يقدم هذه الدول باعتبارها تحالفًا واحدًا متماسكًا، بل يشير إلى أن المصالح المتباينة بينها تحد من تحولها إلى كتلة واحدة.
وهذا في رأيي هو أحد أهم ملامح النظام الدولي القادم؛ فهو لن يكون بالضرورة عودة إلى الحرب الباردة، ولن يكون نسخة جديدة من الصراع بين واشنطن وموسكو، وربما لا يكون صراعًا مباشرًا بين الصين وأمريكا كما يتخيل البعض، وإنما سيكون عالمًا أكثر سيولة، تتقاطع فيه المصالح، وتتغير فيه التحالفات، وتتعاون الدول في مجال بينما تختلف في مجال آخر، وتصبح القدرة على المناورة جزءًا من القوة نفسها.
ومن هنا أجد أن العودة إلى مقالي عام 1991 تحمل بالنسبة لي معنى آخر، لأنني كنت أقول يومها إن على العرب ألا يضعوا أنفسهم في علاقة دائمة مع مركز واحد من مراكز القوة، أما اليوم فإنني أرى أن المسألة أصبحت أكثر إلحاحًا، ولكنني لم أعد أقول للعرب: اتجهوا إلى الشرق بدل الغرب، لأن ذلك يعني أننا قد نستبدل تبعية بتبعية أخرى، وإنما أقول إن عليهم أن يتعلموا كيف يتحركون في عالم متعدد الأقطاب، وأن تكون علاقتهم بواشنطن وبكين وموسكو وأوروبا والهند وغيرها قائمة على المصلحة والاحترام المتبادل، لا على فكرة أن هناك مركزًا واحدًا يجب أن تدور حوله السياسة العربية.
لقد عانينا طويلًا من مشكلة البوصلة الواحدة، وربما كان من أخطر ما فعلته بنا السياسة الدولية أنها جعلتنا نعتقد أن أمامنا طريقًا واحدًا وخيارين لا ثالث لهما، مع أن الواقع كان دائمًا أكثر اتساعًا من ذلك. وفي «عصر التزييف» تصبح صناعة الخيارات أخطر من تزوير المعلومات نفسها؛ لأنك إذا استطعت أن تجعل الإنسان يعتقد أن أمامه خيارين فقط، فقد نجحت في توجيه قراره حتى لو تركته يختار بحرية بينهما.
ولذلك فإن انتهاء عصر القطب الأوحد لا يعني بالضرورة أن العالم سيصبح أكثر عدلًا أو أكثر أمنًا، فالعالم متعدد الأقطاب قد يكون أكثر قدرة على منع احتكار القوة، لكنه قد يكون أيضًا أكثر اضطرابًا إذا فشلت القوى الكبرى في الوصول إلى قواعد جديدة للتعامل فيما بينها، وقد يصبح الصراع على النفوذ أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تدخل التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والمعلومات في قلب الصراع، وهو ما يجعل المرحلة القادمة مختلفة عن كل ما عرفناه في القرن الماضي.
وأعتقد أن الخطر الأكبر على العرب في هذه المرحلة لا يكمن فقط في أن يختاروا القطب الخطأ، وإنما في أن يبقوا أصلًا خارج صناعة الاختيار، وأن ينتقل العالم من نظام أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب بينما تبقى العقلية العربية أسيرة النظام القديم، فتتغير موازين القوة في العالم ولا يتغير معها تصورنا لموقعنا فيه.
وهذا يعيدني إلى البحث الذي قدمته في جامعة الفاتح عن السويد، لأنني كنت أرى في التجربة السويدية آنذاك شيئًا يتجاوز حدود السويد نفسها؛ كنت أرى مجتمعًا لم يولد متقدمًا، ولم تكن الجغرافيا وحدها هي التي منحته ما وصل إليه، وإنما كان هناك وعي بالواقع، واعتراف بالمشكلة، وإرادة للتغيير، وبناء للمؤسسات، واستثمار في الإنسان والمعرفة، وهذه كلها عوامل جعلت المجتمع قادرًا على الانتقال من مرحلة إلى أخرى بدل أن يبقى أسير صورته القديمة.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم ونحن نقرأ النظام الدولي الجديد؛ فنحن لا نحتاج فقط إلى معرفة من يربح ومن يخسر، وإنما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: أين نحن من هذا التحول؟ وهل نملك القدرة على قراءة العالم كما هو، أم أننا ما زلنا نراه من خلال الصور التي يصنعها الآخرون لنا؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر التزييف ليس أن يكذب الآخرون علينا، وإنما أن نعتاد نحن على الصورة التي صنعوها لنا حتى تصبح الحقيقة بالنسبة إلينا شيئًا ثانويًا.
لقد كتبت عام 1991 أن على العرب أن يغيروا بوصلتهم، وكنت يومها أرى أن الشرق، وبخاصة الصين وروسيا، سيصبح أكثر أهمية في المستقبل، ولم أكن أملك آنذاك كل الأدوات التي تسمح لي بإثبات ذلك، وإنما كنت أقرأ حركة التاريخ كما كنت أفهمها في ذلك الوقت. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا أعود إلى ذلك المقال لأقول إنني كنت على حق في كل ما قلته، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يمنح الإنسان شهادة كاملة على توقعاته، وإنما أعود إليه لأن السؤال الذي طرحته آنذاك ما زال قائمًا، لكن العالم أصبح الآن يقدم لنا جزءًا كبيرًا من الإجابة.
لقد كان السؤال عام 1991: هل يستطيع قطب واحد أن يقود العالم؟
أما السؤال اليوم فأصبح: كيف سيكون العالم بعد أن لم يعد القطب الواحد قادرًا على احتكار القوة؟
وأعتقد أن الإجابة بدأت تتشكل أمام أعيننا؛ لسنا أمام سقوط أمريكا، ولسنا أمام ولادة إمبراطورية صينية جديدة، ولسنا أمام عودة الاتحاد السوفيتي، وإنما أمام انتقال تدريجي من عالم كانت فيه القوة مركزة بصورة استثنائية إلى عالم تتوزع فيه عناصر القوة بين أكثر من مركز، وهو انتقال قد يستغرق سنوات طويلة، وقد يمر بأزمات وحروب وتسويات، لكنه في النهاية يعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية.
وهنا ربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه من هذا التحول هو أن العالم لا يتغير فقط عندما تسقط دولة أو تصعد دولة أخرى، وإنما يتغير عندما تتبدل موازين القوة، وعندما تتغير معها الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه وموقعه ومصالحه ومستقبله.
ولهذا فإنني لا أرى أن «النظام الدولي الجديد» الذي كتبت عنه عام 1991 قد وصل اليوم إلى صورته النهائية، وإنما أراه في مرحلة التشكل، وربما يكون أخطر ما فيه أن القوى الكبرى نفسها لم تحسم بعد شكل النظام الذي سيولد من هذه المرحلة.
لكن شيئًا واحدًا يبدو لي أكثر وضوحًا من السابق: لقد انتهى الزمن الذي كان يمكن فيه التعامل مع العالم باعتباره عالم قطب واحد، حتى وإن بقيت الولايات المتحدة القوة الأكبر أو واحدة من أكبر القوى فيه.
وإذا كان هذا التحول يحمل للعالم مخاطر كثيرة، فإنه يحمل للعرب فرصة تاريخية أيضًا، بشرط ألا يتعاملوا معه بعقلية التبعية القديمة؛ فليس المطلوب أن نستبدل واشنطن ببكين، ولا أن نستبدل الغرب بالشرق، وإنما أن نخرج من فكرة أن مستقبلنا يجب أن يكون مرتبطًا بإرادة مركز خارجي واحد، وأن نبدأ بالتفكير في أنفسنا باعتبارنا طرفًا له مصالح وقدرات وموقع وثقافة وتاريخ، ويستطيع، إذا امتلك الإرادة والمؤسسات والوعي، أن يتعامل مع جميع الأقطاب من موقع الشريك لا من موقع التابع.
وهنا أعود إلى «عصر التزييف» مرة أخرى، لأنني أعتقد أن المعركة القادمة لن تكون على الأرض فقط، ولا في الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا وحدها، وإنما ستكون أيضًا على وعي الإنسان؛ فمن يستطيع أن يجعل الشعوب ترى العالم كما يريد هو أن تراه، يستطيع أن يؤثر في خياراتها قبل أن تبدأ في اتخاذها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط: من سيكون القطب الأقوى؟
وإنما: من سيمتلك القدرة على رؤية الحقيقة بعيدًا عن الروايات الجاهزة؟
لقد كتبت في عام 1991 عن «النظام الدولي الجديد» عندما كان العالم يتهيأ للخروج من نظام قديم، واليوم أعود إلى العنوان نفسه لأنني أشعر أن التاريخ وضع أمامنا فرصة أخرى لقراءة ما يحدث، لا لكي نعلن سقوط أحد، ولا لكي نحتفل بانتصار أحد، وإنما لكي نفهم أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير، وأن زمن القطب الأوحد الذي بدا بعد الحرب الباردة وكأنه قدر لا يتغير قد بدأ يفسح المجال أمام عالم آخر، عالم تتعدد فيه مراكز القوة والمصالح والتأثير.
والسؤال الذي سيبقى أمامنا، نحن العرب، ليس من سيحكم العالم بعد أمريكا، لأنني لا أعتقد أن العالم سيذهب ببساطة من يد إلى يد، وإنما السؤال الأصعب والأهم هو: هل سنظل ننتظر أن يحدد الآخرون موقعنا في النظام الدولي الجديد، أم سنمتلك أخيرًا من الوعي والإرادة والمؤسسات ما يجعلنا طرفًا في صناعته؟
فالعالم يتغير، وهذه المرة لا يكفي أن نراقب التغيير من بعيد، لأن من لا يشارك في صناعة النظام الجديد قد يجد نفسه، بعد أن يستقر، مضطرًا للعيش وفق القواعد التي وضعها الآخرون.
عباس النوري
2026/08/08